الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
أنت الوطن

بواسطة azzaman

أنت الوطن

نهله الدراجي

 

في كل عام، يحتفي العالم بالأم، هذا الكائن الاستثنائي الذي يحمل في قلبه أنهارًا من الحنان، ويغزل من صبره دروعًا تحمي أسرته من قسوة الحياة. وإذا كانت كل أم تستحق التكريم والتقدير، فإن الأم العراقية تستحق انحناءة خاصة وإجلالًا مضاعفًا، فهي لم تكن يومًا مجرد أم، بل كانت وطنًا يحتضن أبناءه رغم العواصف، وسدًّا منيعًا أمام رياح المحن التي لم تترك لها فسحة لالتقاط الأنفاس.  الأم العراقية ليست مجرد رمز للأمومة، بل هي عنوانٌ للتضحية، ومثالٌ للفداء، ومرآةٌ تعكس مآسي وطنٍ لم يكد يلتقط أنفاسه من حرب حتى وجد نفسه في أخرى، وبين النزاع والدمار، كانت هي السند، كانت اليد التي تمسح دموع أطفالها بيد، وتخفي دموعها باليد الأخرى

كيف يمكن للكلمات أن توفي حق امرأة ودّعت أبناءها إلى الجبهات، ثم استقبلتهم نعوشًا مغطاةً بالأعلام؟ كيف يمكن لحبر الصحف أن يُجسِّد معاناة من انتظرت عودة مفقودٍ لم يعد، أو سارت خلف جنازة شهيدٍ وهي تحاول أن تواسي نفسها بأن ابنها “عريسٌ في الجنة”؟  لا يمكن الحديث عن العراق دون أن يكون للأم العراقية النصيب الأكبر من التقدير والاحترام، فهي التي حملت على عاتقها مسؤوليات تجاوزت دورها الطبيعي كأم، لتصبح أمّةً بأكملها.  عبر العقود الماضية، كانت المرأة العراقية شاهدةً على تحولاتٍ مريرة، حيث كانت الحروب تخطف أبناءها، والفقر يثقل كاهلها، والمآسي تحاصرها من كل جانب. ومع ذلك، لم تستسلم، بل استمرت كجدارٍ منيع يحمي أسرتها، ويقاوم الانكسار، ويضيء شعلته وسط عتمة الأيام.  لقد تحولت معاناة الأم العراقية إلى جزءٍ من هويتها، فتجدها تحمل ألقابًا موجعة مثل “أم الشهيد”، “أم المفقود”، “الأرملة”، “الثكلى”، لكنها رغم ذلك، لا تزال تمضي في طريقها بإيمانٍ وقوةٍ نادرة.  وفي الوقت الذي يحتفل فيه العالم بعيد الأم بتقديم الزهور والهدايا، تحتاج الأم العراقية إلى ما هو أعمق من ذلك بكثير. بحاجة إلى اعترافٍ حقيقي بتضحياتها، إلى ضمانٍ اجتماعي يخفف عنها أعباء الحياة، إلى دعمٍ نفسي يداوي ندوب السنوات، وإلى بيئةٍ تليق بها وتدعمها في تربية جيلٍ جديدٍ بعيدٍ عن شبح الأحزان والفقر والصراعات.   العراق مدينٌ لكل أم عراقية، فهنّ من صنعنَ الأجيال، وهنّ من صمدن أمام المحن، وهنّ اللواتي قدمن للعالم دروسًا في الفداء والصبر.  وفي هذا اليوم، لا تكفي الكلمات ولا تكفي الاحتفالات الرسمية. كل ما يمكننا أن نقدمه هو وقفةُ إجلالٍ واحترام، ودعوةٌ صادقة بأن يكون الغد أكثر رحمة على نساء العراق، وأكثر عدلًا تجاه قلوبٍ أنهكتها الأوجاع

إلى كل أم عراقية

أنتِ الوطن حين تتيه البوصلة، أنتِ النخلة التي لا تنحني رغم العواصف، أنتِ القصيدة التي لا يُملّ تكرارها، وأنتِ الحياة إذا عزّت الحياة

كل عام وأنتِ بخير، كل عام وأنتِ العراق..

 

 


مشاهدات 101
الكاتب نهله الدراجي
أضيف 2025/03/22 - 12:40 AM
آخر تحديث 2025/03/29 - 1:34 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 525 الشهر 18124 الكلي 10579073
الوقت الآن
السبت 2025/3/29 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير