حين يكون الخصم قلبك
نهلة الدراجي
ليست كل الهزائم في الحياة تُقاس بعدد الخسائر أو بقوة الضربات. ثمة هزيمة لا تُرى، ولكنها تُحسّ بثقل لا يُطاق، جراح لا تُرى، ولكنها تُحسّ في كل لحظة صمت، في كل تنهيدة، في كل نظرة شاردة. من بين تلك الجراح، ألمٌ لا يشبه سواه: حين يكون مصدر الوجع هو من كنا نظنهم الملجأ، السند، والأمان. «أنا لستُ ضعيفًا... لكن الخصم كان شخصًا قريبًا»، عبارة تختصر كل التباس العلاقة بين القوّة والخذلان، بين ما نمنحه من حب وما نُقابل به من خيبة. عبارة تنزف أكثر مما تُقال، تختصر معاناة لا يملك صاحبها حتى رفاهية البوح بها دون أن يُلام. في معترك الحياة، اعتدنا أن نخوض حروبنا ضد الخارج، ضد الفقر، المرض، الغدر، وحتى الظلم. نُعدّ أنفسنا لخيبات الأصدقاء، لخذلان الرفاق، ونبني في دواخلنا حصوناً من الصبر والتجلّد، ظناً منا أن الجبهة الخلفية محصّنة، وأن العائلة مهما تهالكت الدنيا ــ تبقى آخر خطوط الدفاع. لكن، ماذا لو تهاوت تلك الجبهة؟ ماذا لو جاء السهم من حيث كنا نظنّ أنهم السند ومصدر القوة؟ كثيرون هم الذين يواجهون هذا النوع من الانكسار بصمت. لا يبوحون، لأن الشكوى من الأهل تبدو ـ في نظر المجتمع ـ خروجاً عن الطاعة، أو نكراناً للجميل. لكن الحقيقة التي لا تُقال كثيراً، هي أن أقسى أشكال الألم هي تلك التي تأتي ممن نحبهم بلا شروط. أن تُخذل من غريب أمرٌ يمكن تجاوزه، أما أن يأتي الخذلان من أب، أو أم، أو أخ، أو أخت، فالندبة تبقى غائرة، والذاكرة لا تنسى أبداً. في هذا السياق، لا بد من إعادة النظر في ما نعتبره «مقدساً» في علاقاتنا الأسرية. ليس كل من وُلدنا بينهم هم بالضرورة ملاذنا. فالعائلة، كما الحب، ليست فقط رابطة دم، بل رابطة روح، رعاية، احتواء، وعدٌ غير مكتوب بأننا لن نُترك وحدنا في العاصفة. وعندما تُخلّ العائلة بهذا الوعد، تترك أبناءها في مهب ريح الوحدة، والخذلان، والانكسار. في كل بيت حكاية تُروى، وأخرى تُكتم. ولكن لعلّ الاعتراف بأننا نتألم، وأنّ الألم أحياناً يأتي من أقرب الناس، هو البداية الحقيقية للشفاء. ولعلّه أول خطوة نحو فهمٍ أعمق للعلاقات، نحو مصالحة مع الذات، ومع واقعٍ لا يرحم، لكنه لا يُجبرنا أيضاً على الصمت.
نعم، لسنا ضعفاء. لكننا بشر. والبشر يُكسرون حين تُخذل قلوبهم. وحين يكون الخصم هو العائلة، فإنّ الوجع لا يُقاس، بل يُعاش... كل يوم...!