الصحفي بين الحياد والمسؤولية.. حين يصبح الرأي ضرورة أخلاقية
دعاء يوسف
الصحافة ليست مجرد مهنة، بل هي مسؤولية تجاه الحقيقة والمجتمع. اعتاد كثيرون على رؤية الصحفي كناقل للأخبار والمعلومات، محايدًا في سرده، ملتزمًا بمبدأ «الموضوعية» الصارمة. لكن، هل يمكن للصحفي أن يكون مجرد وسيط بلا موقف؟ وهل يقتصر دوره على النقل دون أن يكون له رأي واضح، ليس فقط في مجال عمله، بل في قضايا الحياة كافة؟
الصحفي ليس آلة نقل
الصحفي الحقيقي ليس مجرد شخص يحمل ميكروفونًا أو يكتب تقريرًا، بل هو إنسان له قناعات ومواقف، تتشكل من وعيه وثقافته وتجربته. الصحفي الذي يظن أن مهمته تنحصر في نقل الأحداث دون تحليل أو تفسير يفقد دوره الأهم: التأثير والتوجيه. إن الصحافة ليست مجرد نقل، بل هي تسليط للضوء، كشف للحقيقة، ودفاع عن الحقوق.
الرأي مع الحق وليس مع الأهواء
من الضروري التمييز بين الصحفي صاحب الموقف والصحفي المتحيز. الأول يتخذ موقفًا بناءً على الحقائق، يدافع عن العدالة والحقوق الأساسية، ويرفض الظلم والاستبداد. أما الثاني، فينحرف عن دوره ليصبح بوقًا لجهات معينة، يضلل الجمهور، ويتخلى عن مسؤوليته الأخلاقية. الصحفي الذي لا يملك موقفًا، أو يخشى التعبير عن رأيه، يتحول إلى مجرد موظف يؤدي عمله بروتينية مملة، دون أن يترك أثرًا في مجتمعه.
الصحافة موقف وليست مهادنة
عبر التاريخ، كان الصحفيون أصحاب المواقف أكثر تأثيرًا من أولئك الذين اكتفوا بالحياد. فالصحافة الحرة كانت دائمًا في صف الشعوب، تدافع عن حقوقهم وتنقل معاناتهم. من الثورة الفرنسية إلى ثورات الربيع العربي، كان الصحفيون الذين امتلكوا الجرأة في التعبير عن رأيهم، ودفعوا الثمن في كثير من الأحيان، هم من صنعوا الفرق.
متى يصبح الصمت خيانة؟
عندما يتعرض الناس للظلم، ويُقتل الأبرياء، وتُسلب الحريات، فإن صمت الصحفي ليس حيادًا، بل خيانة لقيم مهنته. الصحفي الذي لا يرى ولا يسمع ولا يتكلم، بحجة الموضوعية، يفقد دوره في التغيير، ويصبح جزءًا من آلة التعتيم والتضليل.
الصحفي والمجتمع: رأي في كل شيء
الصحفي ليس معزولًا عن مجتمعه، وليس رأيه محصورًا في القضايا السياسية أو المهنية فقط. يجب أن يكون له رأي في قضايا التعليم، الصحة، الاقتصاد، وحتى في التفاصيل اليومية التي تمس حياة الناس. المجتمع يحتاج إلى صحفيين يملكون رؤى واضحة، قادرين على توجيه الرأي العام نحو التفكير النقدي واتخاذ المواقف السليمة.
خاتمة
الصحفي الذي لا يملك رأيًا يشبه القلم الجاف الذي نفد حبره، قد يبدو كأداة كتابة لكنه عاجز عن ترك أثر. الصحافة ليست مهنة الحياد المطلق، بل هي مهنة البحث عن الحقيقة والانحياز لها. وإذا لم يكن الصحفي قادرًا على قول كلمة الحق، فربما من الأفضل ألا يكون صحفيًا على الإطلاق.