الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الإسلام وفلسفة الزكاة والصدقات: عنوان للتكافل الاجتماعي

بواسطة azzaman

الإسلام وفلسفة الزكاة والصدقات: عنوان للتكافل الاجتماعي

 عبدالمهدي الشيخ صالح المظفر

 

الإسلام ليس ديناً روحياً فحسب، بل هو نظامٌ متكامل يُعنَى ببناء مجتمعٍ متوازنٍ قائمٍ على العدالة والرحمة. وتُعتبر الزكاة والصدقات من أبرز التشريعات التي تجسّد هذا التكافل الاجتماعي، فتُحوِّل القيم الإيمانية إلى أفعالٍ ملموسة تُخفف معاناة الضعفاء وتُعزز التماسك بين أفراد المجتمع. 

---

### *1. المفهوم القرآني للزكاة والصدقات: ركيزة العبادة الاجتماعية* 

الزكاة—الركن الثالث من أركان الإسلام—ليست مجرد ضريبة مالية، بل هي *تطهيرٌ للنفس والمال*، كما جاء في قوله تعالى: 

> ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا﴾ (التوبة: 103). 

فهي تُفرض بنسبة 2.5% من المدخرات السنوية على القادرين، لضمان توزيع الثروة وتجنب تراكمها في أيدي فئةٍ محدودة. 

أما *الصدقة*، فهي بابٌ أوسع للعطاء التطوعي، تشمل كل فعلٍ خيري، من إطعام الجائع إلى كلمة طيبة. وقد ربط القرآن بين الإيمان والعمل الصالح، مؤكداً أن حق الفقراء في أموال الأغنياء ليس منّةً بل واجباً إلهياً: 

> ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ (الذاريات: 19). 

ولتحديد مسارات العطاء، ذكر القرآن مصارف الزكاة الثمانية بوضوح: 

> ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا...﴾ (التوبة: 60)، 

مما يجعلها نظاماً دقيقاً يضمن وصول الموارد إلى مستحقيها.

---

### *2. السيرة النبوية وأهل البيت والصحابة المنتجبين النموذج العملي للتضامن* 

لم تكن تعاليم الإسلام نظريةً مجردة، بل تحولت إلى ممارسات يومية في حياة النبي محمد (ص) وأهل بيته (ع): 

- *الرسول (ص)*: كان يُمثل القدوة في العطاء، فكان يُخصِّص جزءاً من زكاة المسلمين لدعم الأيتام والأرامل، قائلاً: 

  > «أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا» (رواه البخاري)، 

  مشيراً بإصبعيه ليرسم صورة القرب بين كفالة اليتيم والجنة. 

- *الإمام علي (ع)*: خلال خلافته في الكوفة، رُوي أن رجلاً مسيحياً فقيراً طلب المساعدة، فأمر الإمام (ع) بإعطائه من زكاة بيت المال، قائلاً: 

  > «انْفَعُوهُ بِمَا يَنْفَعُهُ؛ فَإِنَّ هَذَا مِنْ حَقِّ اللَّهِ عَلَيْنَا». 

  ليكون هذا الموقف شاهداً على أن العدالة الإسلامية تشمل كل أفراد المجتمع، بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية. 

- *الإمام زين العابدين (ع)*: اشتهر بإغاثة الفقراء سراً ليلاً، حفاظاً على كرامتهم، وكان يقول: 

  > «صَدَقَةُ السِّرِّ تُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ» (الكافي). 

---

### *3. التكافل الاجتماعي: مبادئ لا تعرف التمييز* 

أسس الإسلام منظومةً شاملةً لرعاية الضعفاء، تتجاوز حدود الدين والعرق: 

- *كفالة الأيتام*: جعلها القرآن علامةً على الإيمان الحق: 

  > ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا﴾ (البقرة: 177). 

- *المساواة في الحقوق*: في الدولة الإسلامية، كان غير المسلمين (أهل الذمة) يحصلون على حقوقهم الكاملة. رُوي أن الامام علي. عليه السلام  رأى يهودياً يسأل الناس في الكوفة فحمله إلى بيت المال وقال: 

  > «ما أنصفناه إذا أخذنا منه الجزية شاباً ثم نخذله عند الشيخوخة». 

  فجعل له راتباً شهرياً يكفيه وعائلته.

---

### *4. الأثر الاجتماعي والروحي: جسرٌ بين الأرض والسماء* 

لا تقتصر فوائد الزكاة والصدقة على الجانب المادي، بل تمتد إلى بناء مجتمعٍ متكامل: 

- *محاربة الفقر*: تُقلص الفوارق الطبقية عبر إعادة توزيع الثروة، مما يُجنب المجتمع أمراض الحقد والجريمة. 

- *تطهير النفس*: تُخلّص الغني من الشح، وتُعلِّمه السخاء، كما تُشعر الفقير بأنه جزءٌ من نسيج المجتمع. 

- *دور الخُمس*: يُخصص 20% من أرباح التجارة أو المعادن لدعم المشاريع العامة، كبناء المدارس والمستشفيات، وفقاً لقوله تعالى: 

  > ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ (الأنفال: 41). 

---

### *5. الخاتمة: نحو مجتمعٍ إنسانيٍّ متكامل* 

الزكاة والصدقة في الإسلام ليستا "إحساناً" مؤقتاً، بل هما *نظامٌ إلهي* يُذكِّر الأغنياء بأن أموالهم أمانةٌ يجب مشاركتها، ويُعيد تشكيل العلاقات الاجتماعية على أساس التعاطف لا المنفعة. ومن عظمة هذا التشريع أنه لم يستثنِ أحداً، فحتى غير المسلمين—كما في قصة الإمام علي (ع)—كانوا شركاء في الرعاية. 

هكذا يصنع الإسلام مجتمعاً لا مكان فيه لجوعٍ أو ظلم، مجتمعاً تُحفظ فيه كرامة الإنسان—مسلماً كان أم غير مسلم—ليكون العالم كله عائلةً واحدةً تحت مظلة الرحمة.


مشاهدات 101
الكاتب  عبدالمهدي الشيخ صالح المظفر
أضيف 2025/04/05 - 3:59 PM
آخر تحديث 2025/04/06 - 2:59 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 598 الشهر 4575 الكلي 10585222
الوقت الآن
الأحد 2025/4/6 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير