الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
 لون الموت

بواسطة azzaman

 لون الموت

رفل خاتون

 

النورُ ينعكسُ على شَعرِها الذَّهبيِّ لِيَتَلأْلَأَ بَيْنَ ظُلُماتِ هَذا المَنْزِلِ المَهْجورِ. تُمسِكُ بِتِلْكَ الدُّمْيَةِ القُطْنِيَّةِ الَّتي مَزَّقَ ذِراعَها عُتْيُ الزَّمَنِ، تَنْظُرُ إلَيْها بِفَرَحٍ يَغْمُرُ عَيْنَيْها الخَضْراوَيْنِ. وَجَدَتْها في إحْدى سَلَّاتِ النُّفاياتِ. وَقَفَتْ مُثْقَلَةً، يُعانِقُ التَّعَبُ عَيْنَيْها الطُّفولِيَّتَيْنِ، تَرْمِقُ جَوانِبَ المَنْزِلِ المُظْلِمَةَ بِخَوْفٍ شَديدٍ. لَمْ تَكُنْ مِنْ هُنا... كَانَتْ مِنَ المَوْصِلِ، وَصَلَتْ إلى بَغْدادَ وَحْدَها بَعْدَ أَنْ قُتِلَ جَميعُ أَفْرادِ أُسْرَتِها. عَبَرَتْ مُدُنًا وَهِيَ تَجْلِسُ وَحيدَةً في شاحِنَةِ حُمولَةٍ مَعَ أَكْوامٍ مِنَ النَّاسِ الغَريبَةِ. تَرَكُوها عِنْدَ بابَةٍ كَبيرَةٍ قَبْلَ دُخولِ العاصِمَةِ. لَمْ يَتَطَفَّلْ أَحَدٌ عَلَيْها، يُمسِكُ بِيدِها وَيَذْهَبُ بِها إلى دارِ الأَيْتَامِ.

أَخَذَتْها امْرَأَةٌ جَميلَةٌ اسْمُها "حَرْب" عِنْدَما وَجَدَتْها نائِمَةً على أَرْصِفَةِ شَوارِعِ بَغْدادَ، وَجَلَبَتْها إلى مَنْطَقَةٍ سَيِّئَةِ السُّمْعَةِ. لا تَعْرِفُ شَيئًا يَخُصُّ المَرْأَةَ وَلا المَدينَةَ. كَانَتْ تَأْتي في الصَّباحِ وَتَغادِرُ لَيْلاً، تَتْرُكُها وَحيدَةً في هَذا المَنْزِلِ المُهْتَرِئِ الَّذي يَكادُ أَنْ يَسْقُطَ فَوْقَ رُؤوسِهِمْ. تَخْرُجُ دائمًا وَتَجْلِسُ عِنْدَ بابِ مَنْزِلِهِمْ تُغَنِّي بِصَوْتِها النَّاعِمِ؛ لَفَتَ الانْتِباهَ، لَكِنَّ لا أَحَدَ يَكْتَرِثُ لَها. كَانَ الجَميعُ يَعْبُرُونَ مِنْ خِلالِها كَأَنَّها غَيْرُ مَوْجودَةٍ. مَنْ سَيَكْتَرِثُ لِهَذا الوَجْهِ المُغَطَّى بِالغُبارِ وَمَلابِسِها المُمَزَّقَةِ؟ بَقِيَتْ تَدورُ.

"هَلْ يُوجَدُ أَحَدٌ يُريدُ أَنْ يَلْعَبَ مَعي؟"

لَمْ يَكُنْ يَسْمَعُها أَحَدٌ سِوى ذَلِكَ الجارِ الَّذي أَغْلَقَ نَوافِذَهُ بِإرْهاقٍ مُتَمَتِّمًا: لِماذا حَرْبٌ لَمْ تَأْخُذْها إلى دارِ الأَيْتَامِ وَتُنْقِذْنا مِنْ هَذا الإزْعاجِ اليَوْمِيِّ؟ تَوَقَّفَتْ تُعانِقُ نَفْسَها، تُحاوِلُ أَنْ تَكْبَحَ الدُّمُوعَ عَنِ الهُطُولِ عِنْدَما طَرَدَها جارُها مَانِعًا أَطْفالَهُ مِنَ اللَّعِبِ مَعَها. أَخْبَرَها أَنَّها سَتَحْمِلُ طِباعَ "حَرْبٍ"، سَتَكُونُ امْرَأَةً فاسِقَةً تَحْمِلُ الرَّذيلَةَ بَيْنَ كَتِفَيْها. هِيَ لَمْ تَرْغَبْ بِشَيءٍ آخَرَ سِوى اللَّعِبِ. كَانَتْ تَحْمِلُ دُمْيَتَها وَتَطْرُقُ الأَبْوابَ تَبْحَثُ عَنْ طِفْلٍ بِنَفْسِ سِنِّها يَصْبَحُ صَديقًا لَها. كُلُّ الأَبْوابِ أُغْلِقَتْ في وَجْهِها كَأَنَّها تَحْمِلُ (فَيْرُوسًا) سَيُفْسِدُ أبْناءَهُمْ وَيَجْعَلُهُمْ أَشْخاصًا غَيْرَ صالِحينَ.

جَلَسَتْ على الرَّصيفِ تَهْمِسُ بِحُزْنٍ مُريرٍ عِنْدَما مَرَّ طِفْلٌ مِنْ جانِبِها. "هَلْ تُريدُ أَنْ تَلْعَبَ مَعي؟" شَتَمَها بِشَيءٍ لَمْ تَفْهَمْهُ. لَمْ تَكُنْ بِالوَعْيِ الكافِي لِفَهْمِ تِلْكَ الكَلِماتِ النَّابِيَةِ الَّتي تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ عَنْها. لَمْ تَكُنْ تَعْرِفُ، هَلْ هَذِهِ الكَلِمَةُ جَيِّدَةٌ أَمْ لا؟

حَلَّ الظَّلامُ في هَذِهِ الأَرْضِ الَّتي يَكْتَسِيها البُؤْسُ... غادَرَ الجَميعُ إلى مَنازِلِهِمْ لِيَتَدَثَّروا في أَسِرَّتِهِمْ الدَّافِئَةِ. دَخَلَتِ المَنْزِلَ تَنامُ في سَريرِها المُكَوَّنِ مِنْ لِحافٍ قَديمٍ مُمَزَّقٍ تَمْلأُهُ الثُّقوبُ. نامَتْ بِوَجْهٍ خائِبٍ كَكُلِّ لَيْلَةٍ. حَرْبٌ... مَرَّ يَوْمٌ كامِلٌ وَلَمْ تَعُدْ إلى الآنَ. كانَ ضَوْءُ القَمَرِ يُواسيها، تَسَلَّلَ عَبْرَ النَّوافِذِ يُداعِبُ وَجْهَها. لَمْ يَكُنْ هُناكَ كَهْرَباءُ وَلا ماءٌ. مَلأَتْ بَطْنَها اليَوْمَ مِنَ التَّسَوُّلِ في الشَّوارِعِ. دَثَّرَتْ جَسَدَها الصَّغيرَ الَّذي لَمْ يَكْفِهِ هَذا اللِّحافُ بِأَذْرُعِها باحِثَةً عَنْ بَعْضِ الدِّفْءِ. أَحَسَّتْ خَطَواتِ أَقْدامٍ، فَتَحَتْ عَيْنَيْها بِنُعاسٍ لِتَرى حَرْبًا تَنامُ جانِبَها وَعَلى جَسَدِها كَدْماتٌ كَثيرَةٌ وَدِماءٌ تَسيلُ مِنْ أَنْفِها. رَسَمَتِ ابْتِسامَةَ انْتِصارٍ رَغْمَ الأَلَمِ الَّذي كانَ يَجْتاحُ جَسَدَها.

- ماذا فَعَلْتِ اليَوْمَ يا أَمَلُ؟ 

- هَلْ أَنْتِ بِخَيْرٍ؟ 

- نَعَمْ. 

- ماذا حَدَثَ لِوَجْهِكِ؟ 

- تَعَثَّرَتْ قَدَمَايَ عِنْدَما سِرْتُ في سَلالمَ مُرْتَفِعَةٍ، نَسيتُ أَنَّني سَأَسْقُطُ، لَمْ أَتَعَلَّمِ الدَّرْسَ... مِثْلَ كُلِّ مَرَّةٍ. 

- يَجِبُ أَنْ تَنْتَبِهي وَتَنْظُري لِأَقْدامِكِ أَيْنَ تَدوسينَ كَيْ لا تَسْقُطي في المَرَّةِ القادِمَةِ. 

- دَعَيْنا نَنامُ. 

أَغْمَضَتْ حَرْبٌ عَيْنَيْها؛ تَنامُ. بَقِيَتْ أَمَلٌ تَنْظُرُ إلَيْها، رَأَتْ دُمُوعًا تَهْطُلُ مِنْ مُقْلَتَيْها تَسيلُ عَلى خَدِّها وَتَرْتَمي على الأَرْضِيَّةِ مُخَلِّفَةً صَوْتًا خَفيفًا جِدًّا. نامَتْ أَمَلٌ.

بَدَأَ يَوْمُها الثَّاني، كانَتْ تَفْعَلُ نَفْسَ الشَّيءِ وَتُواجِهُ بِنَفْسِ الرَّفْضِ. خَرَجَتْ مِنَ المَنْزِلِ تَجْري بَيْنَ النَّاسِ، بَعْضُهُمْ ذاهِبٌ لِلْعَمَلِ وَالآخَرُونَ مُتَوَجِّهُونَ لِمَدارِسِهِمْ. وَقَفَتْ في مَكانِها المُعْتَادِ بَيْنَ المُتَسَوِّلينَ، تَمُدُّ يَدَيْها الصَّغيرَتَيْنِ وَتَقولُ بِصَوْتٍ خَجولٍ: أَنا جائِعَةٌ.. ساعِدوني أَرْجوكُمْ. رَمَقَها نِصْفٌ بِاحْتِقارٍ وَالنِّصْفُ الآخَرُ بِشَفَقَةٍ. بَقِيَتْ واقِفَةً لِساعاتٍ طَويلَةٍ، اجْتَازُوها يُصارِعُونَ الوَقْتَ كَيْ يُنْجِزُوا أَعْمالَهُمْ وَالأَشْغالَ الَّتي عَلَيْهِمْ. وَمِثْلَ كُلِّ مَرَّةٍ، تَتَوَجَّهُ نَحْوَ القُمامَةِ تَأْكُلُ بَقايا الطَّعامِ، وَأَحْيانًا حَتَّى الفُتاتَ لا تَجِدُ. ابْتَسَمَتْ، لَنْ تُدَعَّ شَيئًا يُعَكِّرُ مِزاجَها اليَوْمَ.

 

الْتَفَتَتْ بِسُرْعَةٍ عِنْدَما سَمِعَتْ شَخْصًا يُنادي بِاسْمِها: صَغيرَتي "أَمَلُ" هَيَّا سَتَتَأَخَّرينَ عَنِ المَدْرَسَةِ! وَلَجَ الحُزْنُ مَلامِحَها لِيَعْتَصِرَ فُؤادَها. تَنْظُرُ إلى الفَتاةِ الَّتي بِنَفْسِ عُمْرِها تَتَبَخْتَرُ فَوْقَ الرَّصيفِ بِمَلَلٍ، تَنْطِقُ بِانْزِعاجٍ: أَبي تَوَقَّفْ عَنْ مُناداتي بِصَغيرَتي أَرْجوكَ! أَخْفَضَتْ ذِراعَها لِلأَسْفَلِ لِيَسْقُطَ فُتاتُ الخُبْزِ أَرْضًا. لا تَفْهَمُ لِماذا هَذِهِ الفَتاةُ انْزَعَجَتْ مِنْ أَنْ يُناديها أَبُوها بِصَغيرَتي. لَطالَما آمَنَتْ أَنَّ والِدَها سَيَعودُ وَيُعانِقُها، يُعيدُها إلى مَنْزِلِهِمْ في المَوْصِلِ وَيُناديها بِاسْمِها: أَمَلُ.

عادَتْ إلى المَنْزِلِ تَجُرُّ أَقْدامَها بِتَعَبٍ وَإرْهاقٍ. فَتَحَتِ البابَ لِتَدْلُفَ إلى الدَّاخِلِ، يُواجِهُها الظَّلامُ نِهايَةَ كُلِّ يَوْمٍ. أَرادَتْ أَنْ تُغَنِّيَ وَتُزْعِجَ جارَها الَّذي مَنَعَها مِنَ اللَّعِبِ مَعَ أَطْفالِهِ، وَمَنَعَ جَميعَ أَطْفالِ المَحَلَّةِ مِنَ الاقْتِرابِ مِنْها عِنْدَما أَخْرَجَ شائِعَةً عَنْها أَنَّها تَحْمِلُ فَيْرُوسًا يُدَنِّسُ البَدَنَ. فَيْرُوسٌ أَخَذَتْهُ مِنْ حَرْبٍ، المَرْأَةِ الَّتي أَنْقَذَتْ حَياتَها.

سَمِعَتْ صَوْتَ خَطَواتِ أَقْدامٍ في المَنْزِلِ، ابْتَسَمَتْ بِفَرَحٍ. أَخيرًا عادَتْ حَرْبٌ، هَذِهِ المَرَّةَ مُبَكِّرًا. أَخْبَرَتْها قَبْلَ أَنْ تَغادِرَ أَنَّها سَتَجْلِبُ لَها الطَّعامَ. لَكِنَّها فَزِعَتْ عِنْدَما رَأَتْ ثَلاثَةَ رِجالٍ يَرْتَدُونَ السَّوادَ، مُغَطَّي الوُجوهِ بِقِماشَةٍ لا يَظْهَرُ مِنْهُمْ شَيءٌ سِوى أَعْيُنِهِمْ. اقْتَرَبُوا مِنْها... كَصَيَّادٍ وَجَدَ فَريسَتَهُ. رَكَضَتْ تَهْرُبُ، تَصْرُخُ بِخَوْفٍ. أَمْسَكَها قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ وَضَرَبَ رَأْسَها في الأَرْضِيَّةِ بِعُنْفٍ، كَأَنَّ رَأْسَها كُرَةُ سَلَّةٍ يُجَهِّزُها لاعِبٌ مُحْتَرِفٌ قَبْلَ أَنْ يَرْمِيَها في الهَدَفِ. لَمْ تُعِدْ تَشْعُرُ بِأَجْزاءِ جَسَدِها. سائِلٌ ساخِنٌ يَخْرُجُ مِنْ رَأْسِها. أَطْرافُها الصَّغيرَةُ تَرْتَجِفُ، تَئِنُّ مِنَ الأَلَمِ، صَرَخَتْ تَسْتَنْجِدُ بِصَوْتِها الهَزيلِ.

لَمْ يُجِبْها أَحَدٌ. انْزَعَجَ جارُها، يُغْلِقُ النَّافِذَةَ مِثْلَ كُلِّ مَرَّةٍ، يَظُنُّها تَفْعَلُ ذَلِكَ لِتَأْخُذَ لَحْظَةَ اهْتِمامٍ مِنْ عِنْدِهِمْ. ابْتَسَمَ بِمَكْرٍ: لَنْ تَأْتي أَفْعالُكِ هَذِهِ بِنَتِيجَةٍ أَيَّتُها الصَّغيرَةُ، خَليفَةُ حَرْبٍ.

عانَقَها الظَّلامُ، يَأْخُذُها بَعيدًا إلى المَكانِ الَّذي غادَرُوا إلَيْهِ عائِلَتُها قَبْلَها.

مَرَّتْ ثَلاثُ ساعاتٍ. دَخَلَتْ حَرْبٌ تَحْمِلُ أَكْياسًا مَمْلُوءَةً بِالطَّعامِ الشَّهيِّ، لِيَسْقُطَ مِنْ بَيْنَ ذِراعَيْها وَتَصْرُخُ صَرخَةً مَدَوِّيَةً يَسْمَعُها كُلُّ ساكِنِي المَحَلَّةِ. خَرَجَ الجارُ يَرْكُضُ بِفَزَعٍ، دَخَلَ المَنْزِلَ لِتُرْسَمَ مَلامِحُ القَهْرِ على وَجْهِهِ. اقْتَرَبَ مِنْ أَمَلٍ يُحَرِّكُها: أَمَلُ صَغيرَتي... اسْتَيْقِظي! 

لَكِنَّها لَمْ تَفْعَلْ. فَقَدْ غادَرَتْ مُنْذُ ساعاتٍ. جَمالُها الجَذَّابُ أَصْبَحَ أَكْثَرَ جَمالاً بِشَحوبِ تِلْكَ البَشَرَةِ البَيْضاءِ، وَشَفَتُها غادَرَها اللَّوْنُ الوَرْدِيُّ لِيَحُلَّ مَحَلَّهُ لَوْنُ المَوْتِ. لَمْ يَعُدْ ضَوْءُ القَمَرِ يَتَسَلَّلُ إلى هَذا المَنْزِلِ، أَصْبَحَ مُظْلِمًا كَأَنَّهُ مَهْجورٌ. وَالدَّمُ في شَعْرِها يُمَثِّلُ لُغْزًا كَئيبًا. أَمَلٌ، حارَبَتْ كَثيرًا لِكَيْ تَعيشَ بَيْنَ الظَّلامِ. 

وَقَفَتْ حَرْبٌ مُتَجَمِّدَةً في مَكانِها، تَنْظُرُ إلى الجُثَّةِ الصَّغيرَةِ الَّتي كانَتْ تَحْمِلُها بَيْنَ ذِراعَيْها قَبْلَ أَيَّامٍ. دُمُوعُها تَسيلُ بِصَمْتٍ، وَصَوْتُها يَخْنُقُهُ الحُزْنُ: أَمَلُ... لَقَدْ فاتَ الأَوانُ. 

خَرَجَتْ حَرْبٌ مِنَ المَنْزِلِ، تَجُرُّ أَقْدامَها كَثِيفَةَ التَّعَبِ. لَمْ تَعُدْ تَشْعُرُ بِشَيءٍ سِوى الأَلَمِ الَّذي يَخْتَلِطُ بِالذَّنْبِ. كَيْفَ لَهَا أَنْ تَعيشَ بَعْدَ أَنْ فَقَدَتْ أَمَلَها الوَحيدَ؟ كَيْفَ لَهَا أَنْ تُواجِهَ العالَمَ بِدونِ ذَلِكَ الوَجْهِ البَريءِ الَّذي كانَ يُضِيءُ ظَلامَها؟ 

مَشَتْ في الشَّوارِعِ المُظْلِمَةِ، تَتَذَكَّرُ كُلَّ لَحْظَةٍ قَضَتْها مَعَ أَمَلٍ. كَيْفَ كَانَتْ تُغَنِّي لَهَا لِتُهَدِّئَ خَوْفَها، وَكَيْفَ كَانَتْ تَحْمِلُها بَيْنَ ذِراعَيْها لِتُشْعِرَها بِالأَمَانِ. لَكِنَّها الآنَ وَحيدَةٌ، مِثْلَما كانَتْ أَمَلٌ قَبْلَ أَنْ تَجِدَها. 

وَفَجْأَةً، وَقَفَتْ حَرْبٌ أَمامَ دارِ الأَيْتَامِ. نَظَرَتْ إلى البابِ الكَبيرِ، وَهِيَ تَشْعُرُ بِثِقَلِ القَرَارِ الَّذي كانَ عَلَيْها أَنْ تَتَّخِذَهُ مُنْذُ زَمَنٍ. لَوْ أَنَّها أَخَذَتْ أَمَلًا إلى هُنا، لَرُبَّما كانَتْ لا تَزالُ حَيَّةً. لَوْ أَنَّها أَعْطَتْها فُرْصَةً لِتَعيشَ حَياةً طَبيعِيَّةً، لَرُبَّما كانَتْ قَدْ نَجَتْ مِنْ هَذا المَصيرِ المُظْلِمِ. 

دَخَلَتْ حَرْبٌ دارَ الأَيْتَامِ، وَهِيَ تَحْمِلُ في قَلْبِها أَمَلًا آخَرَ. أَمَلًا بِأَنْ تَجِدَ طِفْلًا آخَرَ يَحْتَاجُ إلى حُبِّها وَحِمايَتِها. أَمَلًا بِأَنْ تُعَوِّضَ عَنْ خَطَئِها، وَأَنْ تَجْعَلَ مِنْ حَياةِ طِفْلٍ آخَرَ أَفْضَلَ مِمَّا كانَتْ حَياةُ أَمَلٍ. 

وَبَيْنَما هِيَ تَمْشِي في المَمْرِ الطَّويلِ، سَمِعَتْ صَوْتَ طِفْلٍ يَبْكي. تَوَقَّفَتْ، وَهِيَ تَشْعُرُ بِدَفْقَةٍ مِنَ الأَمَلِ تَجْتاحُ قَلْبَها. لَعَلَّ هَذا الصَّوْتَ هُوَ بَدايَةٌ جَديدَةٌ. لَعَلَّ هَذا الطِّفْلَ هُوَ أَمَلُها الجَديدُ. 

وَبِهَذا، أَخَذَتْ حَرْبٌ خُطْوَتَها الأُولى نَحْوَ مُسْتَقْبَلٍ جَديدٍ، حامِلَةً مَعَها ذِكْرى أَمَلٍ، وَعَزْمًا على أَنْ تَجْعَلَ مِنْ حَياةِ طِفْلٍ آخَرَ أَفْضَلَ مِمَّا كانَتْ. 

النِّهايَةُ.


مشاهدات 62
الكاتب رفل خاتون
أضيف 2025/04/05 - 12:54 PM
آخر تحديث 2025/04/05 - 11:31 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 40 الشهر 4017 الكلي 10584664
الوقت الآن
الأحد 2025/4/6 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير