عندما يكون الصمت أبلغ من الكلام
نهلة الدراجي
كم مرة وجدنا أنفسنا في مواجهة مَن يصرخ لإثبات رأيٍ لا يستند إلى منطق، أو أمام عقولٍ لا تريد سوى سماع صداها؟ هنا، يكون الرقيُّ في اختيار الصمت، والتزام الحكمة، والابتعاد عن جدالٍ لا يزيد صاحبه إلا انغلاقًا.
هناك فرقٌ شاسعٌ بين الصمت الذي ينبع من العجز، والصمت الذي يولد من الحكمة. الأول هو استسلامٌ، أما الثاني فهو قمةُ الإدراك لما يستحق أن يُقال وما لا يستحق حتى أن يُسمع.
الرقيُّ في الصمت يعني أن تمتلك القدرةَ على الرد، لكنك تختار ألَّا ترد؛ لأنك تدرك أن الصمت أحيانًا أكثرُ وقعًا من ألف كلمة. أن تقف شامخًا أمام ضوضاء الجدال، وألَّا تنجرف إلى مستنقع الحديث العقيم، بل أن تحافظ على هيبتك وكبريائك بعدم منح جدالك لمَن لا يستحق.
فكم من مجادلةٍ انتهت دون أن تثمر إلا مزيدًا من التشدد والانغلاق؟ إن كنتَ ترى ما لا يدركه غيرك، فلا تُرهق نفسك بإقناع مَن لا يريد أن يرى.
ليس كلُّ مَن يتحدث يُحسن إيصالَ المعنى، وليس كلُّ مَن يصمت يفتقر إلى الحجة. بل إن أعظمَ العقول وأكثرها نضجًا هي تلك التي تدرك متى يكون الحديثُ ضرورةً، ومتى يكون الصمتُ فضيلةً. فقد قيل في الحكمة: «الصمتُ في حضرة الجهلاء عزةُ نفسٍ لا ضعفٌ»، وهذا ما يجهله كثيرون ممن يستهلكون الكلماتِ هباءً، دون أن يدركوا أن بعضَ المواقف يكون الصمتُ فيها أكثرَ وقعًا من ألفِ خطابٍ.
أن تصمتَ لا يعني أنك لا تملكُ الردَّ، بل يعني أنك تملكُ من الوعي ما يجعلك تدرك أن بعضَ العقول لا ترى إلا ما تريد أن تراه. فما الجدوى من محاولة إقناع مَن لا يسمع، أو مناقشة مَن لا يريد أن يفهم؟ الرقيُّ هو أن تختار معاركك بحكمةٍ، وألَّا تهدر طاقتك في سجالاتٍ لا تضيف إليك شيئًا.
الصمتُ قرارٌ نابعٌ من الثقة بالنفس، وأبلغُ تعبيرٍ عن الرقيِّ، وأعظمُ وسيلةٍ للحفاظ على السلام الداخلي. لذا، حين تجد نفسك أمام مَن لا يُقدِّرون قيمتك، لا تنحدر إلى مستوى الجدال، بل اختر صمتك، وامضِ مرفوعَ الرأس؛ لأن الهيبةَ ليست في كثرة الكلام، بل في القدرة على الصمت حين يكون أبلغَ ردٍّ.
الصمتُ ليس غيابًا للكلمات، بل حضورٌ راقٍ للعقلِ.