في إصلاح النظام السياسي (1)
أين يكمن الخلل؟
سامي العسكري
بعد أكثر من عشرين عاماً على التغيير السياسي في العراق، لم تعد الأزمات التي ترافق كل انتخابات أو عملية تشكيل حكومة أحداثاً استثنائية يمكن التعامل معها بوصفها مجرد خلافات سياسية عابرة، بل بات واضحاً أن هناك خللاً بنيوياً في النظام السياسي نفسه، يتكرر إنتاجه للأزمات بصورة تكاد تكون ثابتة.
فالعراق شهد خلال السنوات الماضية انتخابات متعددة، وتداولاً سلمياً للسلطة، وتنوعاً سياسياً واسعاً، وهي أمور لا يمكن التقليل من أهميتها في بلد عاش عقوداً طويلة تحت حكم الحزب الواحد. لكن التجربة العملية أظهرت في المقابل أن النظام السياسي ما يزال عاجزاً عن إنتاج حالة مستقرة وواضحة تتيح تشكيل حكومات قوية ومنسجمة وقادرة على اتخاذ القرار.
وفي تقديري، فإن الخلل لا يكمن فقط في أداء القوى السياسية أو طبيعة الصراعات بينها، بل يمتد إلى بنية النظام الحزبي وقانون الانتخابات وآليات تشكيل السلطة نفسها.
تضخم حزبي بلا حياة سياسية حقيقية
من أبرز مظاهر هذا الخلل العدد الكبير للأحزاب السياسية المسجلة في العراق، والتي تجاوزت المئتين.
ومن الطبيعي في أي نظام ديمقراطي أن توجد تعددية سياسية، لكن التعددية شيء، وتحول العمل الحزبي إلى حالة من التشظي والفوضى شيء آخر.
فالكثير من هذه الأحزاب لا يمتلك:
•قاعدة جماهيرية حقيقية،
•ولا حضوراً تنظيمياً واضحاً،
•ولا مشروعاً سياسياً متمايزاً،
بل يظهر بعضها مع اقتراب الانتخابات ثم يختفي بعدها.
وهذا التضخم الحزبي لا يؤدي إلى إثراء الحياة السياسية بقدر ما يساهم في تشتيت الأصوات وإضعاف الاستقرار السياسي، ويجعل البرلمان موزعاً بين كتل صغيرة ومتعددة يصعب معها إنتاج أغلبية واضحة.
قانون انتخاب ينتج التعقيد
أما المشكلة الثانية فتتعلق بقانون الانتخابات وآلية تحويل الأصوات إلى مقاعد.
فالنظام الانتخابي الحالي، رغم ما أُدخل عليه من تعديلات، ما يزال عاجزاً عن إنتاج نتائج حاسمة تتيح تشكيل حكومات مستقرة.
وفي كثير من الأحيان، تتحول الانتخابات إلى مجرد مرحلة أولى، بينما تبدأ العملية السياسية الحقيقية بعد إعلان النتائج، من خلال سلسلة طويلة من التفاهمات والتحالفات والتسويات التي قد تستمر أشهراً.
وهنا يفقد الناخب جزءاً مهماً من قدرته على التأثير المباشر، لأن الحكومة التي تتشكل لاحقاً قد لا تعكس بصورة دقيقة الاتجاه الذي صوّت له.
أزمة الكتلة الأكبر
لكن العقدة الأهم ربما تكمن في مسألة “الكتلة الأكبر” صاحبة الحق في ترشيح رئيس الوزراء.
فالتفسير الذي جرى اعتماده منذ عام 2010، والقائم على إمكانية تشكيل الكتلة الأكبر بعد الانتخابات، نقل مركز القرار الحقيقي من الناخب إلى التفاهمات السياسية اللاحقة.
وبذلك أصبح الناخب العراقي يذهب إلى صناديق الاقتراع دون أن يعرف فعلياً:
•من سيكون رئيس الحكومة،
•ولا شكل التحالفات التي ستتشكل،
•ولا حتى طبيعة البرنامج السياسي الذي ستنتجه تلك التحالفات.
وفي أغلب الأنظمة البرلمانية المستقرة، يعرف الناخب بصورة شبه واضحة شكل الحكومة المحتملة قبل الانتخابات، أما في العراق فإن الحكومة تبدأ بالتشكل فعلياً بعد انتهاء الانتخابات لا قبلها.
حكومات التسوية
وكان من الطبيعي أن يقود هذا الواقع إلى ظهور ما بات يعرف بـ”حكومات التسوية”، التي تُبنى غالباً على الحد الأدنى من التوافق بين القوى السياسية، لا على وجود أغلبية سياسية واضحة تمتلك برنامجاً موحداً.
وهذا النوع من الحكومات، وإن كان ينجح أحياناً في منع الانفجار السياسي، إلا أنه غالباً ما يعاني من:
• ضعف القرار،
• وتضارب الأولويات،
• وبطء الأداء،
• وصعوبة تنفيذ الإصلاحات الكبرى.
الحاجة إلى مراجعة هادئة
إن الحديث عن إصلاح النظام السياسي لا ينبغي أن يُفهم بوصفه دعوة لهدم النظام أو القفز على العملية الديمقراطية، بل على العكس تماماً.
فبعد أكثر من عقدين من التجربة، يبدو من الضروري الانتقال من مرحلة تأسيس النظام إلى مرحلة مراجعة آلياته وتطويرها بما يجعله أكثر قدرة على:
• تمثيل إرادة الناخبين،
• وإنتاج حكومات مستقرة،
• وتحقيق قدر أعلى من الفاعلية السياسية والإدارية.
فاستمرار إنتاج الأزمات بعد كل انتخابات يعني أن الخلل لم يعد في النتائج وحدها، بل في القواعد التي تنتج هذه النتائج.
الخلاصة
الأنظمة السياسية لا تُقاس فقط بقدرتها على إجراء الانتخابات، بل بقدرتها أيضاً على إنتاج حكومات واضحة ومستقرة تعكس إرادة الناخبين وتحظى بقدرة حقيقية على الحكم.
والعراق، بعد أكثر من عشرين عاماً على تجربته الجديدة، بات بحاجة إلى مراجعة هادئة ومسؤولة لبعض قواعد نظامه السياسي، ليس من أجل إسقاطه، بل من أجل تطويره وضمان استقراره واستمراره.
كاتب وباحث سياسي