حين تعانق الروحُ المآذنَ وتغني القلوبُ للسماع الصوفي
أحمد جاسم الزبيدي
ليست كل الأسفار مجرد انتقالٍ بين المطارات والحدود، فهناك رحلاتٌ تترك في الروح أثراً لا تمحوه السنوات، وتجعل الإنسان يشعر وكأنه عاد محملاً بذاكرة جديدة وروح أكثر صفاءً. وكانت رحلتي إلى الجزائر واحدةً من تلك الرحلات الاستثنائية التي لا تُنسى، حيث امتزج عبق التاريخ بروح التصوف، والتقت الثقافة بالمحبة، في بلدٍ شعرت فيه أن الإنسان ما زال يحتفظ بدفء الروح العربية الأصيلة.
منذ اللحظات الأولى لوصولي إلى الجزائر، كنت أشعر أنني أمام وطنٍ لا يشبه إلا نفسه؛ شعبٌ كريم، ووجوهٌ تفيض طيبةً، وأرضٌ تحمل بين جبالها وصحاريها تاريخاً من النضال والعلم والروحانية.
وقد جاءت زيارتي للمشاركة في مهرجان السماع الصوفي الدولي في ولاية الأغواط، ذلك المهرجان الذي جمع محبي التصوف والإنشاد والروحانيات من مختلف دول العالم، في مشهدٍ ثقافي وروحي نادر، امتدت فعالياته لأيامٍ امتلأت بالأصوات العذبة والقصائد الروحية والمدائح التي كانت ترتفع إلى السماء وكأنها دعاء جماعي من أجل السلام والمحبة.
وكان لي شرف المشاركة ممثلاً للعراق، وعرض كتابي
»الروحانية… نجمة الزهرة لأوزبكستان الجديدة«،
الذي يتناول التجربة الروحية والحضارية في أوزبكستان، وما شهدته من نهضة فكرية وثقافية ودينية في السنوات الأخيرة.
وقد لمست اهتماماً كبيراً من المشاركين والجمهور بهذا العمل، خاصة وأن الكتاب يربط بين الحضارة الإسلامية والبعد الإنساني والروحي، ويقدم صورة عن أوزبكستان بوصفها أرض العلماء والأولياء وموطن الإمام البخاري والترمذي والعديد من أعلام الحضارة الإسلامية.
لكن من أجمل محطات هذه الرحلة، كان لقائي بمعالي وزير الدولة وعميد الجامع، الشيخ محمد المأمون القاسمي الحسني، الشخصية العلمية والفكرية المعروفة في الجزائر والعالم الإسلامي. وقد سعدت كثيراً عندما قدمت له نسخة من كتابي، ليقوم بالحديث عنه أمام الوفد الأوزبكي والحضور، مشيداً بمضمونه وفكرته، ومؤكداً أنه اطلع عليه مسبقاً وأعجب بما يحمله من رؤية ثقافية وروحية تعزز التقارب بين الشعوب الإسلامية.
وكان ذلك الموقف بالنسبة لي لحظة اعتزاز كبيرة، لأن التكريم الحقيقي لأي كاتب هو أن يجد كلماته تصل إلى القلوب قبل العيون.
وخلال زيارتي للجزائر العاصمة، كان لابد من الوقوف أمام واحدة من أعظم التحف المعمارية الإسلامية في العصر الحديث، وهو جامع الجزائر الأعظم، ذلك الصرح الذي لا يمكن للكلمات أن تصفه كما ينبغي.
فعندما اقتربت من الجامع، شعرت وكأنني أمام مدينةٍ كاملة لا مجرد مسجد. مساحة هائلة، وتصميم معماري مهيب، وزخارف تجمع بين روح الأندلس وعبق المغرب العربي وفخامة العمارة الإسلامية الحديثة. ويُعد الجامع الأكبر في إفريقيا وثالث أكبر مسجد في العالم، ويتسع لأكثر من 120 ألف مصلٍ، فيما ترتفع مئذنته العملاقة إلى نحو 265 ـ 267 متراً لتكون أعلى مئذنة في العالم.
أما تلك المئذنة، فلم تكن مجرد بناءٍ شاهق، بل بدت لي وكأنها منارة حضارية تخاطب البحر والسماء معاً. وقفت أتأملها طويلاً، وهي تشق زرقة السماء الجزائرية بعظمة مهيبة، وكأنها تعلن أن الإسلام لم يكن يوماً دين انغلاق، بل دين جمال وعلم وحضارة.
وفي داخل الجامع، تتجلى الروعة بأدق تفاصيلها؛ أعمدة الرخام، والنقوش الإسلامية، والقباب العملاقة، والإضاءة الهادئة التي تمنح المكان رهبةً وسكينةً في آنٍ واحد. شعرت هناك أن الإنسان يصغر أمام عظمة الإبداع الإنساني حين يمتزج بالإيمان.
لقد كانت الجزائر بالنسبة لي أكثر من زيارة ثقافية أو مشاركة في مهرجان، بل كانت رحلةً إلى عمق الروح العربية والإسلامية، واكتشافاً لبلدٍ يحمل في قلبه حباً للحياة وللثقافة وللإنسان.
غادرت الجزائر، لكن شيئاً مني بقي هناك…
في الأغواط، بين أصوات السماع الصوفي،
وفي الجزائر العاصمة، تحت ظل المئذنة الأعلى في العالم،
وفي قلوب أناسٍ منحوني محبةً لا تُنسى.
وعدتُ إلى طشقند وأنا أحمل يقيناً جديداً بأن الأوطان الجميلة لا تُقاس بمساحتها، بل بالأثر الذي تتركه في أرواح زائريها.