ثمن السكون
فراس عبد الحسين
تحت سقف بيتهم المعدني الصدئ، كانت الأم تعمل بصمت منهك بينما يتناول سعيد الصغير غداءه. في براءة طفولية سألها: لماذا لا نضحك مثل الباقين يا أمي؟ لماذا لا تشعرين بالسعادة؟ أجابته الأم بهدوء، دون أن ترفع نظرها عن الخبز امامها: الذي يعرف يا بني لا يضحك كثيرًا.
لم يفهم معنى الجملة وقتها، ولكنها انحفرت في ذاكرته، وحملها في عقله مثل ندبة عميقة. لم يكن يريد أن يضحك بنفسه، بل أن يفهم لماذا يضحك الناس وكيف تتولد هذه المشاعر، ليتمكن من التحكم بها. كان طفلاً وحيدًا وحزينًا دائمًا، انعزاليًا، يشعر أن الألم ضعف، وأن إظهار المشاعر يجعله عرضة للاستغلال أو السخرية، فقرر أن يدفنها عميقًا.
كبر وهو يعتقد أن الألم ضعف لا يليق به أو بالبشرية، وأن الحزن خطأ يجب تجنبه بكل السبل، وأن الرغبة لعنة تقود إلى الشقاء الأبدي. بدافع من طفولته المعزولة وألمه المكبوت، صار طبيبًا، ثم عالمًا لامعًا.
عاد بالذاكرة إلى الليلة الحاسمة التي اكتشف فيها جين السعادة. كان يجلس وحيدًا في مختبره، الساعات تمر ببطء شديد، محاطًا ببيانات آلاف المتطوعين المكدسة على مكتبه، يبحث عن نمط، عن رابط خفي يفسر سلوك البشر. لاحظ تكرار طفرة محددة في أشخاص وصفهم بـ "الراضين بلا سبب"، أولئك الذين كانوا يواجهون تحديات الحياة ببرود غير مألوف. هذه الطفرة تمنحهم برودة روحية، توازنًا مستمرًا، لكن بلا حماسة البحث عن تحقيق الأحلام، بلا لهيب الشغف بالنجاح أو حتى الرغبة في التطور والنمو. أرواحهم هادئة، لكنها خالية من أي توهج.
قرأ وقتها جملة من كتاب فلسفي يناقش أفكار بوذا: "من يرغب، يتألم. ومن لا يرغب، ينجو". وقعت هذه الجملة في قلبه كحقيقة علمية لا تقبل الجدل، وكأنها المفتاح السري الذي سيحرر البشرية.
من تلك اللحظة، لم يعد عالمًا فقط يبحث عن حلول، بل أصبح في نظر نفسه "مخلّصًا" للبشرية، متوهماً العظمة والقوة، غارقًا في أوهام العظمة. قرر تعديل الجين وتطوير العقار. لم يكن يريد أن يصنع السعادة بذاتها، فهي مفهوم زائل ومراوغ، بل أن يطفئ العطش إليها، يزيل الحاجة إلى السعي والمعاناة. وهكذا، وُلد "نوروم"، الذي سيغير وجه العالم إلى الأبد، منفذًا رؤيته الخالية من الألم.
بعد أعوام، وقف د. سعيد على منصة علمية في الجامعة، وسط تصفيق حار من الحضور، متوهجًا بفخر عالم أحدث ثورة، يعلن أمام العالم بأسره نجاحه الباهر في تطوير عقار "نوروم". قال في كلمته: "لقد كسرنا تتابع الحلقة المفرغة للألم، وقتلنا الرغبة التي تجلب معه المعاناة، ومحونا التوقع الذي يؤدي إلى الخيبة، ونجونا بالإنسان من مشاعر القلق المرافق له، وجنبناه بذلك الخيبة التي تؤدي إلى الألم دائمًا. أعلن بكل فخر أنهم أصبحوا بلا ألم، وأنهم الآن أحرار من قيود المشاعر، يعيشون في سكون أبدي"
من يومها، تسارع كل شيء بشكل جنوني وغير متوقع. الناس بدأوا يتعاطون العقار بشكل واسع؛ أولاً كمضاد للاكتئاب حقيقي، ثم مقوم نفسي لتحسين الحالة المزاجية، ثم أدمن عليه الكثيرون وتحول إلى مكمل غذائي يومي، جزء لا يتجزأ من حياتهم اليومية، كالهواء الذي ينشقوه، أو الماء الذي يشربوه. المدن الكبرى، ثم الأصغر، كلها وقعت في براثن هذا الهدوء المخدر، وانتشر العقار كالنار في الهشيم عبر القارات، لتصبح البشرية جمعاء تحت سيطرة العقار الصامتة.
حينذاك، لم يكن الدكتور قد تعاطى العقار الذي صنعه بيده، وبدأ يشعر بالغربة والتفرد وسط ابتسامات الناس الخافتة والبليدة، ابتسامات لا تحمل أي دفء أو حياة. المدن أصبحت أكثر هدوءً، صمتها مخيف، ثم تحولت إلى أماكن أكثر بلادةً وتفاهة، فقدت روحها وجوهرها. لم يكن أحد يتألم.
قبل اندلاع هذه الثورة العاطفية، كان كل شيء في مدينته منظمًا إلى حدّ الملل القاتل. المقاهي أبوابها مفتوحة، لكن لا أحد يضحك فيها بصوت عالٍ أو يشارك نكتة من القلب. الأطفال يذهبون إلى المدارس في صمت مطبق، يسيرون كالروبوتات الصغيرة، عيونهم باهتة بلا فضول أو شغف للتعلم، والعشاق ينفصلون بهدوء غريب، بلا دموع، بلا عتاب، بلا شغف يذكر، كأن الحب لم يكن سوى معادلة كيميائية خاطئة تم تصحيحها.
كانت التقارير الحكومية تحتفل بشكل يومي بانخفاض معدلات الجريمة والانتحار والقلق العام إلى مستويات غير مسبوقة، متبجحة بإنجازها في القضاء على المعاناة البشرية.
لكن شيئًا داخليًا بدأ يموت ببطء في أرواح الناس، الروح الإنسانية ذاتها تتلاشى تدريجيًا، حتى الفنّ بكل أشكاله اختفى، وتوقفت الموسيقى عن عزف ألحانها، والأعياد باتت مجرد أيام هادئة بلا بهجة أو احتفال، مجرد تواريخ في تقويم جامد.
سلمى، ابنته الوحيدة وفلذة كبده، كانت قد تناولت العقار في المدرسة. وقالت له يومها ببراءة مؤلمة: "فعلت ذلك يا أبي حتى لا أحزن إذا رسبت في الامتحان" عند تلك اللحظة، بدأ الخوف الحقيقي يتسلل داخله مثل ثعبان بارد، يزحف في شرايينه. أدرك حجم الكارثة التي صنعها بيديه، وأن وعده بالسلام قد تحول إلى لعنة تجرد البشر من إنسانيتهم. أدرك في تلك اللحظة المؤلمة أن الحياة غير قابلة للترتيب الجيني أو المعالجة الكيميائية. ليست مشكلة كيميائية تحل بجرعة واحدة من دواء.
الحياة تناقض في جوهرها، اضطراب دائم، وسعيٌ لا ينتهي. لا يمكن حبسها في زجاجة، أو ضبطها بمعادلة. وأدرك أن السعادة ليست هدفًا يمكن تعليبه أو وضعه في حبة دواء، بل هي لحظة عابرة تأتي غالبًا بعد ألم طويل، بعد ندم عميق، أو بعد اشتياق حارق. أدرك أن السكون المطلق الذي حلم به، ذلك الفراغ العاطفي المتماسك الذي ابتكره، هو في ذاته موتٌ بطيء للروح، نهايتها الحتمية التي لم يكن ليقدرها.
تحت ظلال تلك الفوضى العارمة التي بدأت تجتاح الشوارع، وهي تغلي بمظاهرات تعج بالغضب، شباب في مقتبل العمر، فنانون مبدعون، وطلبة جامعيون يملئون الساحات، بوجوه تحمل لأول مرة منذ سنوات تعابير حقيقية، مزيجًا من الغضب والأمل، يصرخون في وجوه الشاشات الكبيرة في الشوارع التي كانت تعرض إحصائيات زائفة عن "السعادة" المزعومة التي وعد بها النظام. هتافاتهم تردد رفضهم القاطع لتناول حبوب "نوروم" التي سرقت منهم مشاعرهم، وتأكيد رغبتهم الجامحة في أن يحزنوا ويحلموا من جديد، أن يشعروا بكل ما هو إنساني.
لم تكن تلك مجرد احتجاجات عادية تهدف إلى تغيير سياسة، بل انفجارًا عاطفيًا متأخرًا لشعبٍ خُدّر طويلاً تحت وهم السكينة المصطنعة، سكون الموت البطيء. "لقد خنقناهم، والآن يطلبون الهواء النقي، هواء المشاعر المتناقضة" العقار الذي اخترعه العالم بيده لمنح البشر السلام الداخلي الذي طالما بحثوا عنه، أصبح لعنة صامتة، سرقت الألوان من الحياة والبهجة من قلوب الناس، جاعلة منهم كائنات باهتة لا تعرف الشغف، مجرد هياكل تتحرك في فراغ عاطفي. لقد كان وعدًا بالحرية من الألم، وتحول إلى سجن بلا قضبان.
كان يراقب المشهد من مخبأه السري، يتذكر كل جزء من حياته، وكيف قادته كل خطوة إلى هذا المصير المروع. في لحظة صحوة ضمير مؤلمة لا يمكن تجاهلها، قرر أن يصنع مضادًا للعقار الذي ابتكره، أطلق عليه اسم "ريستورين"، وعزم على توزيعه على الناس سراً، وكأنه يحاول إصلاح ما أفسده، أن يعيد الروح إلى أجسادهم الخالية.
كان يهمس لأحد تلامذته المقربين، بعينين مليئتين بالندم الذي بدأ يأكل روحه: "علينا أن نجعل الناس يحسون من جديد، حتى لو تألموا. الألم ليس ضعفًا، إنه جزء لا يتجزأ من الحياة، جزء من إنسانيتنا المشتركة. الألم هو الذي يمهد الطريق للفرح الحقيقي، للحب، للإبداع." لم يكن يريد محو تجربته بالكامل، أو إنكار ما سعى إليه من راحة للبشرية، بل أراد موازنتها، إعادة التوازن للمشاعر التي أزيلت بقسوة وبلا أدنى اعتبار.
لكن النظام الحاكم، الذي استفاد من حالة اللا مبالاة العامة، ومن سهولة التحكم بالجموع الخالية من المشاعر، لم يتقبّل ذلك. لقد اعتبروا خطوته خطرًا وجوديًا على "السلام الاجتماعي" الذي فرضوه بقبضة من حديد؛ فقد أدركوا أن الذين لا يحلمون، الذين لا يشعرون، يمكن السيطرة عليهم واقتيادهم بسهولة تامة، كالقطيع الذي لا يمتلك إرادة أو دافعًا للثورة. وهكذا، صدر الأمر بمطاردته واعتقاله، ليصبح هو، مخترع السعادة، المطلوب الأول للدولة، مطاردًا في كل زاوية من مدينته التي كان يومًا بطلها.
في أعماق الزنزانة، لم يكن الظلام مطبقًا بل كان نوعًا من الشفق الرمادي الذي يتسلل عبر فتحة صغيرة في السقف، يلقي بضوء باهت على جدرانها البيضاء الباهتة، تشبه صفحات لم تُكتب بعد، تحمل وعودًا فارغة أو قصصًا لم تجد من يرويها. سقفها لا يقطر شيئًا سوى صمتٍ ثقيل، يكسره فقط صوتٌ بعيد لحارس يتثاءب بملل يكاد يسمع، يحدق في الحائط المقابل له كما لو كان يبحث عن نافذة لا تظهر، نافذة على عالم آخر، أو عن جزء من نفسه اختبأ خلف جدران البرودة والروتين القاتل.
كان الهواء ثقيلًا، خاليًا من أي رائحة طبيعية سوى رائحة التعقيم الصناعي الذي يذكر بالمختبرات المعقمة، وبكل ما كان يظنه قديمًا خلاصًا للبشرية من آلامها. كل نفس ينشقه يحمل معه ذكريات عقيمة عن عالم صاخب كان جزءًا منه. جسده المنهك، الذي فقد الكثير من وزنه، يجلس على سرير معدني مغطى ببطانية خفيفة، لكن عقله كان في سباق محموم يستعرض آخر محطة من رحلته المضطربة.
لم يكن الشعور الذي انتابه وضوحًا مطلقًا ولا سلامًا داخليًا، بل كانت رجفة داخلية باردة تسري ببطء في عروقه، كما لو أن قلبه الذي طال سكونه يحاول استعادة نبضه المفقود. "هل هذه هي النهاية الحتمية التي سعيت إليها دون وعي؟ أم أنها بداية شيء آخر لم أكن لأتوقعه؟" تمتم في سريرته، وعيناه تحملان خليطًا من الإرهاق والترقب.
رفع رأسه ببطء، فوجد الحارس يقف أمام القضبان، يبتسم ابتسامة فارغة لا تحمل أي معنى، ويناوله رسالة صغيرة مطوية بعناية. كانت من ابنته سلمى. فتحها بأصابع مرتجفة، وقلبه ينبض بقوة غير معهودة، وقرأ كلماتها التي فاضت بالحنين والشوق الذي كبته طويلاً. أخبرته أنها وجدت سعادتها في الرسم من جديد، في الألوان التي عادت تملأ عالمها، وأنها بدت سعيدة لأنها غضبت من صديقتها ثم بكت، قبل أن تتصالحا. شكرته لأنها تعلمت منه أن الحياة ليست بالضرورة مريحة أو خالية من الألم، بل يجب أن تكون حقيقية بكل ما فيها من تقلبات، بأفراحها وأحزانها، بانتصاراتها وإخفاقاتها.
مع تلك الكلمات البسيطة، شعر بصدى حكمة كان قد نساها. ابتسم لأول مرة منذ فترة طويلة، ابتسامة حقيقية وصلت إلى عينيه المتعبتين، ليست ابتسامة العقار الباهتة التي طالما رآها على وجوه الناس. وأن ما ظنه موتًا محتمًا لروحه هو في الحقيقة بعث جديد، فرصة أخرى للحياة، فرصة ليعيش حقيقته، لا وهمه.
الآن، في الزنزانة الباردة، هو لا يبحث عن تبرير لأفعاله الماضية، فالتبريرات لم تعد تجديه نفعًا، بل يتمنى فقط لو استطاع أن يعيد صياغة البداية. يتمنى لو استطاع أن يعود بالزمن ليقول لنفسه وهو في المختبر، قبل أن يطلق "نوروم" للعالم: "دعهم يحزنون ويتألمون، لأنهم بعد الحزن سوف يكتبون القصائد، يبدعون أروع الأعمال الفنية، يحبّون بعمق وشغف، يثورون من أجل حريتهم، ينهضون من رمادهم أقوى وأكثر إنسانية"
ها هو الآن، رجلٌ كتب التاريخ بحبة دواء، ثم محاه بدمعة ندم حقيقية، دمعة طالما ظن أنها لن تسقط من عينيه أبدًا. وآخر ما تبقى من أمنياته المحطمة، التي تتردد في أصداء جدران زنزانته، أن تعود سلمى لتغضب، تضحك، وتحب. كما يجب أن يفعل الإنسان دائمًا، بكل مشاعره وتقلباته، بكل ما يجعله إنسانًا حقيقيًا، لا مجرد كائن حي خالٍ من الألم والحياة.