الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
صناعة الجهل وتفكيكه.. قراءة في علم الاغنوتولوجيا

← بواسطة azzaman

صناعة الجهل وتفكيكه.. قراءة في علم الاغنوتولوجيا

وصال العزاوي

 

من منا لايتذكر لافتة كانت توضع في مداخل المدارس عند بداية العام الدراسي « العلم نور والجهل ظلام « لتعلن عن بداية تلقي الدروس والعلوم والتنوير المعرفي في كافة منهاجه بدءا من الابتدائية ولغاية  الجامعات ثم طرق ابواب التوظيف  ، والمفروض كلنا خرجنا من ظلام الجهل الى نور المعرفة والعلم،،هكذا كنا جميعا نعتقد اننا متعلمون ولكن هل تخلصنا من ضخامة جهلنا الكامن في عقولنا وافعالنا .

كنت اعتقد ذلك الى ان وقع نظري في احدى معارض الكتب على كتاب يحمل عنوان « صناعة الجهل وتفكيكه « الذي حرره روبرت بروكتر ولوندا شاينبغر ، عندما تصفحته اعترف اني لاول مرة اعلم ان الجهل اصبح علما ويسمى « الاغنوتولوجيا « العلم الذي يدرس الجهل وهو الاسم الذي يطلق على علم الجهل ، ليس علما في الظلال كما قد يظن البعض بل محاولة جذرية لاعادة تعريف المعرفة ذاتها ، وفتح نافذة على منطقة الجهل بوصفه فعلا ثقافيا وسياسيا لا مجرد نقص في العلم .

وعند متابعتي حول عرض هذا الكتاب ، كان الاستاذ اوزجان يشار افضل من قدم قراءة في غاية الدقة لما تضمنه من افكار ومعلومات جعلتنا نشعر اننا نغرق لا في النور بل في ظله ، خاصة عندما يذكر ان الجهل لا يولد من غياب المعرفة بل من طريقة توزيعها ، من آليات الحجب والانتقاء التي ترافقها في كل عصر حتى يبدو ما نعرفه كافيا بينما يخفي وراءه عالما من الغياب المقصود .

قوى سياسية

عموما الفكرة العامة للكتاب يركز على صناعة الجهل وتفكيكه على مفهوم « العلم بالسلب « اي دراسة كيف ينتج الجهل ويعاد انتاجه بشكل مقصود او غير مقصود في المجتمعات ، حيث يسعى المؤلفان الى الكشف عن الآليات التي تجعل المعرفة غائبة ، او محجوبة ، والى تحليل القوى السياسية والاقتصادية والثقافية التي تستفيد من هذا الغياب ، ينطلق الكتاب من فكرة محورية تقول ان الجهل ليس مجرد نقص في المعرفة بل هو في كثير من الاحيان منتج اجتماعي وسياسي وثقافي يجري تشكيله بوعي او بدون وعي ويؤثر بعمق في حياة الافراد والمجتمعات.

يذكر المؤلفان ان من اهم الوسائل في نشر صناعة الجهل هي شبكات التواصل الاجتماعي والانترنيت لانه يمكن لاي جاهل ان يتخفى فيه ويعرف نفسه على انه عالم او باحث وينشر من خلاله خرافاته واكاذيبه كما انه متاح للجميع ، ومن احد اساليب صناعة الجهل هي اختلاق حالة من الشك في كل محاولة علمية او اي محاولة تدعو للوعي ونشر القيم والاخلاق والمطالبة بالحقوق ورفع الظلم عن الشعوب ، واهم الجهات التي ساهمت في صناعة الجهل : السلطة الحاكمة / السلطات الدينية / الاعلام / رجال المال والشركات التجارية / جميع هذه الجهات تستفيد من الجهل العام عبر خلق حالة الشك والتشكيك الدائم في الحقيقة ، والتاريخ يقدم امثلة عديدة وتجارب تاريخية راسخة جرى فيها تصنيع جهل بديل يقنع الناس بأن الحقائق غير محسومة وان الاراء متساوية القيمة وان التحيزات ليست سوى وجهات نظر ... وهنا يتجلى الجهل كأداة سياسية تتحكم بالمجال العام

فالجهل لايحدث بالصدفة بل ينتج كما تنتج المعرفة ، عبر مؤسسات وجامعات وشركات واعلان كلها تشارك في تحديد ما يظهر وما يخفى ، ومن هنا يدعونا الكتاب الى التحول من سؤال المعرفة الى سؤال السلطة : من الذي يقرر ما ينشر وما يسكت عنه ؟ من المستفيد من ان نبقى في الظل ونحن نظن انفسنا في النور ؟

هناك آليات عدة لانتاج الجهل مثل الاهمال المتعمد او غير التعمد والسرية التامة والتكميم وتدمير الوثائق واتباع التقاليد التي لا تحتمل النقاش واشكال لا تحصى من الانتقائية الثقافية السياسية : علم الجهل هو دراسة صناعة الجهل ، دراسة الضائع والمنسي ، دراسة الجهل المقصود وغير المقصود ، الجهل السيء والجهل الفاضل وغيرها من الاساليب والطرق والخرافات هدفها تغييب الحقيقة وتغييب المعارف المرتبطة بالشعوب الاصلية او الفئات الفقيرة والمهمشة ، بمعنى اعادة تشكيل المعرفة بما يخدم المراكز المهيمنة وكيف يعاد انتاج الجهل في المناهج والبحوث والسياسات حتى في الكتب والمناهج المدرسية .

في الوقت الذي يقول الجميع اننا نعيش في عصر العلم والتكنولوجيا ، يقول الكتاب اننا نعيش في عصر الجهل ، ويطرح سؤالا مهما : من الذي يستفيد من بقاء الناس في حالة جهل ؟ ولماذا يخفى العلم احيانا بدلا من مشاركته ؟ حقيقة ان كتاب صناعة الجهل وتفكيكه هو دعوة قوية للوعي والتفكير النقدي وفهم كيف يمكن ان تستخدم المعلومات او غيابها كأداة للسيطرة والتوجيه وتضليل الشعوب .

صناعة الجهل في العراق

من خلال تصفحي في المواقع الالكترونية وجدت هناك مئات المقالات والابحاث والدراسات حول الجهل وانماطه واساليبه وادواته وصناعاته في مختلف الدول المتقدمة والنامية والمتخلفة ، هناك عمليات لصناعة الجهل في كل دولة وحسب نظامها وتاريخها وبيئتها الاجتماعية لتصبح صناعة الجهل ظاهرة تمس السياسة والمجتمع والدولة والامن والثقة العامة ، وقد سبق ان نشرنا مقالة حول التضليل السياسي في العراق وأثره في تشكيل الوعي والرأي العام ( نشرت في صحيفة الزمان العراقية بتاريخ 11 سبتمبر 2026 )، وجدنا هناك ارتباط بين المفهومين فالتضليل السياسي يمكن ان يكون احدى ادوات صناعة الجهل لكنه ليس مرادفا له ، بمعنى ان صناعة الجهل اوسع من التضليل السياسي ، فالتضليل قد يكون متعمدا بينما الجهل قد ينتج عن ضعف التعليم او ضعف المؤسسات او غياب البيانات او التعقيد الشديد للمعلومة او ضعف الثقافة .

واستكمالا لمقالة التضليل السياسي ارتأيت المضي في كتابة صناعة الجهل في العراق وكيفية تفكيكه ، وقبل ذلك يجب الاشارة الى ان العنوان مقتبس من كتاب (صناعة الجهل وتفكيكه ) بعد ان استعرضنا محتوياته اعلاه .

حسب ويكيبيديا تنقسم جامعات العراق الى اربع اقسام من الجامعات : الاولى هي الجامعات الحكومية وهي المملوكة للحكومة ثم جامعات اقليم كردستان وهي التي توجد ضمن حدود اقليم كردستان ومملوكة لحكومة الاقليم ، ثم الجامعات والكليات الاهلية وهي الجامعات الخاصة غير الحكومية مملوكة لمؤسسات غير حكومية ونقابات ومنظمات عامة او خاصة او حتى جامعات مرتبطة بمؤسسات غير عراقية ، وكذلك الجامعات ومؤسسات التعليم العالي غير المرتبطة لوزارة التعليم العالي والبحث العلمي مثل الجامعات والكليات العسكرية وكليات الشرطة والتي تشرف عليها وزارتا الدفاع والداخلية وكليات ديواني الوقفين السني والشيعي ، ولقد بلغ عدد الجامعات في العراق 51 جامعة حكومية بضمنها 15 في اقليم كردستان ، و 91 جامعة وكلية اهلية بضمنها 14 في اقليم كردستان ، واكاديمية واحدة للشرطة ... بأجمالي تجاوز 140 جامعة واكاديمية تعمل داخل العراق ، الى جانب جامعة تابعة الى وزارة الدفاع واخرى تابعة للداخلية وجامعتين تابعتين لكل من الوقف السني والوقف الشيعي.

اما على مستوى قطاع التربية ، يبلغ اجمالي عدد المدارس الحكومية والاهلية في العراق 40 الف مدرسة لجميع المراحل الدراسية ، وتتصدر بغداد والبصرة بحدود 3 الاف مدرسة ومستمرة الزيادة حتى كتابة هذه الدراسة .

وتجدر الاشارة الى ان هذا الكم الهائل والمخيف من الجامعات والمدارس الحكومية والخاصة ان دل فيدل على اننا لا نعاني نقص التعليم والتربية او المعرفة ، ولكن ان اردنا ان نتعامل مع الجهل في الحالة العراقية نعامله بأعتباره حالة معرفية واجتماعية وسياسية قد تنتج او تعاد انتاجها بصورة مقصودة او غير مقصودة ،بعبارة اخرى : لايقصد بالجهل في هذه الدراسة عدم امتلاك المعرفة او انخفاض في مستوى التعليم فحسب وانما ينظر اليه بوصفه حالة معرفية تتشكل عندما تكون المعلومات غير متاحة او ناقصة او مشوهة او انتقائية ،او يصعب التحقق منها ، بما يؤثر في قدرة المتلقي او الطالب او الباحث والمجتمع ككل على تكوين فهم دقيق للوقائع واتخاذ مواقف مبنية على المعرفة . والسؤال الذي يفرض نفسه : كيف تنتج حالات الجهل ويعاد انتاجها في المجتمع العراقي ، وما هي الآليات السياسية والاعلامية والاجتماعية والمؤسسية التي تسهم في ذلك ؟ وماهي انعكاساتها على الوعي العام والثقة بالدولة ؟

 في مقالة منشورة للكاتب عبد الخالق حسين بعنوان  « هل الجهل هو سبب الازمات في العراق الديمقراطي ؟» يقول ان الديمقراطية والجهل لا يلتقيان مرددين القول ( ثقف الشعب اولا ثم امنحه الديمقراطية ) .

وهذا يجعلنا ننطلق الى انماط الجهل ، وابرزها الجهل السياسي ويتمثل في ضعف المعرفة بطبيعة النظام السياسي ، كثير من العراقيين لايعلمون ماذا يعني مفهوم النظام السياسي وماهو نوع النظام المتبع في العراق هل هو نظام برلماني ام رئاسي ام مختلط ، حتى اختصاصات السلطات والمؤسسات وماذا تعني الفدرالية وما الفرق بينها وبين الكونفدرالية ، وصناعة وآليات القرار من يتخذها وكيف تعمل ، والاهم من هذا مسألة الحقوق والواجبات السياسية حسب ماجاء في الدستور ، هل يعلم او قرأ احد بنود الدستور على الاقل يعرف حقوقه وواجباته وكيفية الدفاع عنها ، وهذا يطلق عليه الجهل المؤسسي وهو عدم معرفة المواطن بدستور بلاده وبكيفية عمل مؤسسات الدولة واختصاصاتها وآليات المسائلة والمراقبة والرقابة ، وهذا عائد ومرتبط بالجهل الاعلامي للمواطن وعدم امتلاكه المهارات اللازمة للتمييز بين :   الخبر / الرأي / التحليل / الدعاية / الاشاعة / التضليل .

اضف لذلك الجهل الاقتصادي اغلب العراقيين ليس لديهم تفسير للتضخم او سعر الصرف ، كما ان اغلبهم لايميز بين العجز المالي والدين العام والسيولة النقدية ..اما الجهل الاجتماعي فمرتبط بالاقتصادي ، ويتمثل في ضعف المعرفة بطبيعة التحولات الاجتماعية والاقتصادية والديموغرافية التي شهدها العراق .

النمط السادس يتمثل بالجهل القانوني وهذا يتعلق بضعف معرفة المواطن بحقوقه وواجباته والاجراءات القانونية التي تحكم علاقته بالدولة ، اما اخطر الانماط فهو نمط الجهل التاريخي فهو لا يعني عدم معرفة التاريخ فقط ، وانما يشمل المعرفة الانتقائية او المجتزأة للتاريخ : ومن هنا يمكن ملاحظة كيف يتم استدعاء الماضي في الخطاب السياسي والاجتماعي المعاصر ، وهل يؤدي ذلك الى فهم تاريخي اعمق ام الى اعادة انتاج الروايات والاحداث التاريخية بشكل اما انتقائي او تضليلي .

والسؤال الذي يفرض نفسه : كيف ممكن تفكيك الجهل في العراق ؟ الجواب يكمن في رسم وصنع سياسة عامة للدولة تتبنى  مسارات وهي : اصلاح الاتصال الحكومي / التربية الاعلامية والرقمية / الحق في الوصول الى المعلومات والبيانات بشكل صحيح /تعزيز وتطوير وتأهيل مؤسسات الاعلام المهنية ومراكز البحوث والدراسات والجامعات / والاهم الثقة وبناء جسور الثقة والشفافية بين الجمهور والحكومة / واخيرا ستراتيجية البيئة الوطنية للعلم والمعرفة / المسار التعليمي وادخال التفكير النقدي والتربية الاعلامية والرقمية في المناهج الدراسية .

واخيرا وليس آخرا نقول ان الاغنوتولوجيا تذكرنا بأن الجهل ليس ظاهرة خارجية بل مرآة داخلية تعكس حدود رغبتنا في الفهم ، وكما ختم المؤلفان القول ان مانرفض معرفته يكشفنا اكثر مما نعرفه ، فالجهل في النهاية ليس غيابا عن الحقيقة بل لغة السلطة التي تعيد كتابة العالم على مقاسها ، والصمت على ذلك معناه مشاركة صناع الجهل في ذلك بدلا من تفكيكه .

استاذة النظم السياسية والسياسات العامة

 

 

 

‏


مشاهدات 42
الكاتب وصال العزاوي
أضيف 2026/09/26 - 3:28 PM
آخر تحديث 2026/09/27 - 12:13 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 24 الشهر 45542 الكلي 16578062
الوقت الآن
الأحد 2026/9/27 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير