الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
أخلاق للبيع في سوق العرض والطلب.. محتوى سينمائي صادم لسلعة بثمن

بواسطة azzaman

أخلاق للبيع في سوق العرض والطلب.. محتوى سينمائي صادم لسلعة بثمن

رجاء حميد رشيد

 

أكد أساتذتنا في مراحل الدراسة الجامعية في كلية الإعلام / قسم الصحافة، على أهمية العنوان الصحفي، الذي يمثل المدخل الرئيسي والأهم للموضوع، فهو أول ما تقع عليه عين القارئ، ومن خلاله يتشكل لديه الفضول والرغبة في معرفة ما يتضمنه الموضوع، فيشد انتباهه ويجذبه إلى مواصلة القراءة، وبالتالي تحقيق الهدف المنشود من إيصال الفكرة المطلوبة من نشر الخبر أو المقال، الذي يحمل في طياته رسالة مجتمعية تتعلق بحياتنا المعيشية في المجالات كافة.

وفي إحدى الأمسيات، وخلال متابعتي للقنوات الفضائية، ولا سيما تلك التي تهتم بعرض الأفلام والبرامج القديمة العربية والأجنبية، لفت نظري عنوان لفيلم مصري قديم، عُرض على شاشة قناة البلد الفضائية المصرية، بعنوان «أخلاق للبيع» (1950)، بطولة النجمين الأشهر في السينما العربية فؤاد المهندس وشويكار، وهو مقتبس من رواية «أرض النفاق « للكاتب يوسف السباعي، ومن إخراج فطين عبد الوهاب.

العنوان بحد ذاته أثار لديّ الكثير من التساؤلات، فكيف يمكن أن تكون الأخلاق للبيع؟ وهل يمكن للإنسان أن يشتري أخلاقًا كما يشتري أي سلعة أخرى؟ وإذا كانت الأخلاق قابلة للبيع والشراء، فهل يستطيع الإنسان أن يختار منها ما يتناسب مع حياته ومواقفه، فيشتري الصدق عندما يحتاج إليه، والشجاعة عندما يشعر بالخوف، والنفاق عندما يريد تحقيق مصلحة شخصية، أو غير ذلك من الصفات التي تشكل في مجموعها شخصية الإنسان وسلوكه؟

هذه التساؤلات يقودنا إليها الفيلم منذ مشاهده الأولى، حيث يظهر فؤاد المهندس موظفًا في إحدى المؤسسات الحكومية، وهو الموظف المخلص، المغلوب على أمره، الذي يستغله الجميع؛ من المدير العام، إلى زملائه في العمل، والمراجعين، وحتى عامل النظافة «الفَرّاش».

موظف مخلص

وعندما يحاول هذا الموظف المخلص أن يعبر عن رأيه أو يدافع عن نفسه، ينهره الآخرون بأسلوب قاسٍ، وتتكرر على ألسنة الممثلين معه جملة واحدة تختصر واقع الشخصية ومشكلته «مفيش أخلاق»، ولا تتوقف معاناته عند مكان العمل، فعند عودته إلى المنزل، يجد زوجته شويكار لا تهتم به ولا تمنحه ما يحتاجه من تقدير واهتمام. وعندما يحاول أن يعاتبها أو يتحدث معها عن معاناته، تنهره هي الأخرى بالجملة المأثورة نفسها «مفيش أخلاق».

يخرج المهندس إلى الشارع منزعجًا، مثقلًا بما يواجهه من ضغوط ومواقف جعلته يشعر بالعجز أمام الآخرين، وأثناء سيره يصادف أمامه مبنى صغيرًا تعلوه يافطة تحمل عنوانًا لافتًا وغريبًا في الوقت نفسه «أخلاق للبيع».

يدخل المحل بدافع الفضول، فيأتي البائع، وهو رجل كبير في السن، ويدور بينهما حوار حول البضاعة المعروضة داخل المحل، التي لم تكن بضاعة عادية، وإنما عبارة عن حبوب محفوظة في دوارق وصناديق صغيرة داخل أدراج، وكل درج يحمل يافطة تعريفية صغيرة باسم نوع من الأخلاق أو الصفات، مثل «حب، صدق، عدل، ظلم، إخلاص، مروءة، صبر، أرض النفاق، شجاعة».

وهنا تزداد غرابة الموقف، فالأخلاق التي نبحث عنها في حياتنا ونطالب الآخرين بالتحلي بها أصبحت، في عالم الفيلم، حبوبًا معروضة للبيع، يمكن للإنسان أن يختار منها ما يشاء، بحسب حاجته ومصلحته، وعندما يسأل المهندس عن الأسعار، يأتيه رد البائع بطريقة لافتة،خذ من الأخلاق ما شئت، وادفع ثمنها على مهلك.

يسأل المهندس باستغراب: هل أستطيع شراء حبوب أخلاق وحشة؟

فيجيبه البائع بأن الكمية قد نفدت.

وهنا يختار المهندس حبوب النفاق، لكن المفاجأة أن البائع يخبره أيضًا بأن هذه الحبوب نفدت بعد نصف ساعة، بسبب الإقبال الكبير عليها.

وكأن الفيلم، من خلال هذا الحوار الساخر، يوجه رسالة اجتماعية واضحة؛ فالأخلاق السيئة هي الأكثر طلبًا، والنفاق تحديدًا أصبح سلعة مرغوبة والإقبال عليها كبير، بينما لم يتبقَّ في المحل سوى الحبوب الحسنة.

وفي نهاية المطاف، يشتري المهندس ثلاث حبات من حبوب الشجاعة، حتى يستطيع مواجهة حماته المتسلطة، لكن مفعول هذه الحبوب لا يستمر سوى ثلاثة أيام.

يتناول إحدى الحبات، وعند عودته إلى البيت يصادف شجارًا في الشارع، فيتدخل بشجاعة ويفض الشجار، بعد أن كان في السابق عاجزًا عن مواجهة مثل هذه المواقف.

ثم يدخل إلى المنزل، فينهر زوجته بصوت عالٍ لأنها تستغل الشغالة الغلبانة، فتخاف منه زوجته وتطيع أوامره.

أما جارته، المرأة الشابة التي تؤدي دورها الفنانة سميحة أيوب، والتي كثيرًا ما تستهزئ به بسبب أخلاقه واحترامه، ومن دون أن يبادلها ما تريده من علاقة وغزل، فإنها تبدأ بالإعجاب به وبقوته عندما تراه يصرخ ويتشاجر ويفرض نفسه في المواقف التي كان في السابق عاجزًا عن مواجهتها.

وهكذا تبدأ حياته بالتغير في كل مرة يقرر فيها العودة إلى ذلك المحل لشراء أخلاق جديدة.

واللافت في الفيلم أن الأخلاق هنا لم تعد قيمة معنوية ثابتة يعيشها الإنسان ويمارسها في حياته، وإنما تحولت إلى شيء يمكن الحصول عليه بسهولة، مجرد حبوب يشتريها الإنسان عندما يشعر بالحاجة إليها، ثم يتخلى عنها عندما ينتهي مفعولها.

وهنا تكمن المفارقة التي تجعل الفيلم يتجاوز حدود الكوميديا والخيال؛ لأن ما يبدو في ظاهره موقفًا طريفًا أو خياليًا، يحمل في داخله قراءة ساخرة وعميقة للواقع الاجتماعي، ويضع الإنسان أمام سؤال مهم: هل يحتاج الإنسان فعلًا إلى شراء الشجاعة حتى يكون شجاعًا؟ وهل يحتاج إلى شراء الصدق حتى يكون صادقًا؟ وهل يمكن للأخلاق أن تكون مؤقتة، بحيث يتناول الإنسان منها جرعة عندما يحتاج إليها، ثم يعود إلى شخصيته السابقة بعد انتهاء مفعولها؟

الفيلم، في تقديري، لا يتحدث فقط عن شخص يبحث عن الشجاعة أو يحاول التخلص من ضعفه، وإنما يضع أمامنا صورة لمجتمع تتبدل فيه القيم بحسب المصالح والظروف، ويكشف بطريقة ساخرة كيف يمكن للإنسان أن يتنازل عن بعض مبادئه عندما يجد أن الأخلاق الحسنة قد تكون سببًا في استغلال الآخرين له، في الوقت الذي تصبح فيه الصفات السيئة، مثل النفاق، وسيلة لتحقيق المصالح والوصول إلى الغايات.

عنوان جذاب

ومن هنا يبدو أن عنوان الفيلم «أخلاق للبيع» لم يكن مجرد عنوان جذاب لجذب المشاهد، وإنما كان مدخلًا حقيقيًا إلى مضمون الفيلم وفكرته الأساسية، وهو ما يعيدنا إلى ما تعلمناه في دراستنا الصحفية عن أهمية العنوان ودوره في جذب انتباه القارئ أو المشاهد وإثارة فضوله لمعرفة ما وراءه.

فالعنوان هنا قصير، مباشر، صادم، ويحمل مفارقة كبيرة؛ لأن الأخلاق في الأصل قيمة لا تُشترى ولا تُباع، ولكن الفيلم يقلب هذه الحقيقة رأسًا على عقب، ويجعل منها سلعة لها ثمن، ولها زبائن، بل إن بعض أنواعها تنفد بسبب كثرة الإقبال عليها.

ويُصنَّف الفيلم ضمن أفلام الدراما والكوميديا والخيال، لكنني أرى أن تصنيفه لا ينبغي أن يتوقف عند هذه الأنواع الفنية الثلاثة فقط، لأنه يحمل في داخله أيضًا طابعًا اجتماعيًا ونقديًا واضحًا، ويقدم معالجة ساخرة للواقع الإنساني والاجتماعي، ويطرح أسئلة تتعلق بالأخلاق والقيم والسلوك والمصلحة الشخصية، وهي قضايا لا تزال حاضرة في حياتنا اليومية، رغم مرور سنوات طويلة على إنتاج الفيلم.

 

 

 


مشاهدات 40
الكاتب رجاء حميد رشيد
أضيف 2026/08/22 - 12:49 AM
آخر تحديث 2026/08/22 - 1:35 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 111 الشهر 25908 الكلي 16115612
الوقت الآن
السبت 2026/8/22 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير