الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
رسالة إلى دجلة الخير

بواسطة azzaman

رسالة إلى دجلة الخير

عبد المنعم حمندي

 

إِلَيْكِ يَا بَغْدَادُ، وَإِلَى مَائِكَ يَا دِجْلَةُ..

أَكْتُبُ لاَ لِأُعِيدَ تَرْتِيبَ المَرَثِيَةِ، بَلْ لِأَسْكُبَ حُزْناً تَعَتَّقَ مَعَ الأَيَّامِ، وَوَهْماً سَقَيْنَاهُ عُمْرَنَا حَتَّى اسْتَبَدَّ بِنَا الزَّيْفُ. كَيْفَ نُدَارِي الفَجِيعَةَ وَقَدْ أَمْعَنَتِ القُوَى الغَاشِمَةُ فِي إِبَادَةِ المَبَاهِجِ، وَنَشَرَتِ الفَسَادَ كَالأَكْفَانِ فِي كُلِّ زَاوِيَةٍ، لِتَكْسِرَ أَجْنِحَةَ جِيلٍ كَانَ يَحْلُمُ بِالفَجْرِ فَمَا حَصَدَ إِلاَّ الحَرِائق والخيبات؟

نَحْنُ جِيلٌ حَالِمٌ، عِشْنَا قِصَّةَ حُبٍّ صَادِقَةٍ مَعَ الوَطَنِ وَالشَّعْبِ، يَمْشِي صِبَانَا عَلَى ضِفَافِ دِجْلَةَ كَالأَطْيَارِ، نَشْرَبُ سَنَا الأَحْلَامِ مِنْ نَهْرٍ يَخُطُّ عَلَى التُّرَابِ بُيُوتَنَا، وَنَفْتَحُ أَعْيُنَنَا كُلَّ صَبَاحٍ عَلَى رَغِيفِ أُمَّهَاتِنَا وَرَائِحَةِ الآسِ وَالنَّعْنَاعِ فِي شَوَارِعِ بَغْدَادَ الفِضِّيَّةِ. كُنَّا نَظُنُّ أَنَّ الحَيَاةَ بُسْتَانٌ مَفْتُوحٌ، وَأَنَّ المَسَافَةَ بَيْنَ القَلْبِ وَالسَّمَاءِ لاَ تَحْتَاجُ إِلاَّ إِلَى أُغْنِيَةٍ وَنَشِيدٍ مَدْرَسِيٍّ نَقِيٍّ.

عَلَى مَدَى سَبْعِينَ عَاماً، نَشَأْنَا فِي قَلْبِ المَأْسَاةِ، وَعَاشَرْنَا فُصُولَ الحُرُوبِ المتَعَاقِبَةِ فَنَى فِيهَا الزَّهْرُ وَالشَّبَابُ. صَدَّقْنَا المُمَوَّهِينَ بِالذَّهَبِ، وَالتَقَمْنَا الشعَارَاتِ البَرَّاقَةَ وَالوُعُودَ الَّتِي ظَنَنَّاهَا قَسَماً لِلْبِنَاءِ وَالرَّفَاهِ، لِكَيْ نَكْتَشِفَ أَنَّنَا كُنَّا نَعِيشُ زَيْفاً كَبِيراً وَوَهْماً صَنَعَتْهُ الضباع أُولَئِكَ الَّذِينَ  خَانُوا العَهْدَ، وَلَمْ يَصُونُوا الأَمَانَةَ، بَلْ أَلْقَوْا بِالأَهْدَافِ العُظْمَى خَلْفَ ظُهُورِهِمْ، وَتَنَاسَوْا جِرَاحَاتِ المَسَاكِينِ لِيُصْبِحُوا شُرَكَاءَ فِي صَنِاعة الخراب.

رَأَيْنَا المَوْتَ يَمْشِي فِي الشوارع  والأزقة بين البيوت، وَتَفَرَّقَ العلماء  والحكماء والأَصْدِقَاءُ عَلَى جَمْرِ المَنَافِي وَالشتات وَمَاتَ المُبدعون صَرْعَى فِي نَشِيدِ الاِنْفِجَارِ. كَانَتْ مَرَارَةُ انْكِسَارِ الحُلْمِ أَقْسَى مِنْ  القبض على الجَمْرِ ، أَنْ نَرَى العُمُرَ الَّذِي بَذَلْنَاهُ حَطَباً لِمَحَارِقَ أَقَامَهَا مَنْ لاَ يَحْفَظُونَ للوَطَنِ حُرْمَةً. لَمْ نَخْسَرْ أَمَانَنَا فَحَسْبُ، بَلْ شَاهَدْنَا كُبْرَيَاتِ أَحْلاَمِنَا تَتَهَشَّمُ عَلَى صَخْرَةِ الخَيْبَةِ، وَوَجَدْنَا أَنْفُسَنَا غُرَبَاءَ فِي الوَطَنِ الَّذِي سَقَيْنَاهُ رحيق أَعْمَارِنَا.

لقد غدت بغدادُ أسيرةً في قبضةِ نظام «المحاصصة المقيتة»، حيث تناوب الأعداءُ والفاسدون وتجارُ الشعارات على اقتسام مقدرات الوطن وثرواته كغنيمة باردة. وتحول العراق العظيم بكل تاريخه ومجده إلى ضحيةٍ لحكم الأحزاب المتسلطة التي زرعت الفساد ونهبت الأمانة، تاركةً الشعب الحالم يقتفِي آثار الخراب وسط أحزانٍ لا تنتهي.

لَكِنَّنِي—بَعْدَ كُلِّ هَذَا الخَرَابِ—رَفَضْتُ أَنْ أُسَجِّلَ جِيلِي فِي دَفَاتِرِ الوفَيَاتِ، أَوْ أَنْ أُسَلِّمَ مَصِيرَنَا لِلْفَنَاءِ. خَلَعْتُ دِرْعَ الهَزِيمَةِ، وَلُذْتُ بِكِبْرِيَاءِ القصِيدَةِ؛ فَالشِّعْرُ لَيْسَ تَرَفاً، بَلْ هُوَ المَلْجَأُ الأَخِيرُ حِينَ تَسْقُطُ المَلاَجِئُ كُلُّهَا. أَدْرَكْتُ أَنَّ بَغْدَادَ لَيْسَتْ حَائِطاً يُهْدَمُ أَوْ مَرْقَداً يَنَامُ فِيهِ التَّارِيخُ، بَلْ هِيَ «فِكْرَةُ كَوْنٍ» وَأَبَدٌ لاَ يَنْتَهِي، وَأَنَّ الجُرْحَ بَالرَّغْمِ مِنْ قَسْوَتِهِ لَيْسَ إِلاَّ مِرْآةً لِلْحَقِيقَةِ حِينَ نَبْلُغُ أَقْصَى اليَقِينِ.

وَاليَوْمَ، وَأَنَا أَقِفُ فِي زَهْوِ هَذِهِ الشَّيْخُوَخَةِ العَصْمَاءِ، أَتَّكِئُ عَلَى عَصَايَ وَأَرْقُبُ شَاطِئَ النَّهْرِ المُعَنَّى، لاَ يَتَمَلَّكُنِي اليَأْسُ. أَلْمَسُ الشَّيْبَ وَأَرَى مِنْ خَلاَلِهِ قَبَسًا جَدِيدًا؛ سَأَلُمُّ أَضْلَاعِي المتَنَاثِرَةَ وَأَبْنِي مَا تَهَدَّمَ فِي النُّفُوسِ. سَنَظَلُّ نَحْلُمُ بِالضِّيَاءِ، وَسَيَبْقَى هَذَا الحُلْمُ المَجْرُوحُ، مِثْلَ دِجْلَةَ، يَخْلَعُ رَكُودَهُ وَيُصِرُّ عَلَى المِعْرَاجِ وَالصُّعُودِ.

 


مشاهدات 49
الكاتب عبد المنعم حمندي
أضيف 2026/08/22 - 1:12 AM
آخر تحديث 2026/08/22 - 2:19 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 184 الشهر 25981 الكلي 16115685
الوقت الآن
السبت 2026/8/22 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير