الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
دراسة نقدية ثلاثية الابعاد  في قصيدة هذا هو اسمي للشاعر الكبير أدونيس


أدونيس : لغم الحضارة وسؤال الولادة

دراسة نقدية ثلاثية الابعاد  في قصيدة هذا هو اسمي للشاعر الكبير أدونيس

الجزء الثالث والأخير  )

عبدالكريم الحلو

 

                    

                 ????  الفصل الاول

 

القصيدة  :  " هذا هو اسمي "

للشاعر الكبير   أدونيس

 

ماحيًا كل حكمةٍ هذه ناريَ

لم تبقَ - آيةٌ - دميَ الآيةُ

هذا بدْئي

دخلتُ إلى حوضكِ

 أرضٌ تدور حوليَ

أعضاؤكِ نيلٌ يجري

طَفَونا ترسَّبْنا

تقاطعتِ في دمي

قطعَتْ صدركِ أمواجيَ

انْهصرتِ لنبْدأ:

نسيَ الحبُّ شفرَةَ الليل

هل أصرخُ أنَّ الطوفان يأتي ؟

لِنبْدأ: صرخةٌ

تعرج المدينةَ والناسُ

مرايا تمشي إذا عبَر الملحُ

التقينا هل أنتِ؟

- حبِّيَ جرحٌ

جسديَ وردةٌ على الجرح

 لا يُقطَفُ إلاّ موتًا. دمي

غُصُنٌ أسلم أوراقَه استقرَّ...

هل الصخرُ جوابٌ؟

هل موتكِ السيدُ النائم

يُغْوي؟

عندي لثدييكِ هالاتُ

وَلوعٍ لوجهك الطفل

وجهٌ مثلهُ... أنتِ؟ لم أجدكِ.

وهذا لهبي مَاحيًا

دخلتُ إلى حوضكِ

عندي مدينةٌ تحت

أحزانيَ عندي

ما يجعل الغُصنَ الأخضرَ ليلاً

والشمسَ عاشقةً سوداءَ عندي...

تقدَّموا فقراءَ الأرض

غطّوا هذا الزّمان بأسمالٍ

ودمْعٍ غطّوهُ بالجسد

 الباحث عن دفئِه... المدينةُ

أقواسُ جُنونٍ رأيتُ أن تلدَ الثورة أبناءَها, قبرت ملايين الأغاني

وجئتُ (هل أنتِ في قبريَ)؟

هاتي ألمسْ يديكِ اتبعيني.

زَمني لم يجىءْ

ومقبرة العالم جاءت عندي

لكل السلاطين

رمادٌ هاتي يديك اتبعيني...

قادِرٌ أن أغيِّر: لغْمُ الحضارة -

هذا هو اسْمي.

(لافتة)

وقفت خطوة

الحياة على باب كتابٍ محوته

بسؤالاتِيَ ماذا أرى؟

أرى ورقًا

قيل استراحت فيه الحضارات

 (هل تعرف نارًا تبكي؟)

أرى المئة اثنين

أرى المسجدَ الكنيسةَ

سيّافيْن والأرض وردةً.

طار في وجهيَ نَسْرٌ

قدَّستُ رائحة الفوضى

ليأت الوقتُ الحزين

لتستَيْقِظْ شعوب اللهيب

والرَّفض

صحرائيَ تنمو

أحببتُ صفصافةً تحتارُ

بُرْجًا يتيهُ مِئْذنةً تهرمُ

أحببتُ شارعًاصَفَّ لبنانُ

عليه أمعاءَهُ في رسومٍ ومرايا

وفي تمائِمَ

قلتُ الآن أُعطي نفسي

لهاوية الجنس وأعطي

للنار فاتحة العالم

 قلتُ استَقِرَّ كالرمح يا نيرون

في جبهة الخليقةِ روما

كلُّ بيتٍ روما التخيُّل

والواقع روما مدينةُ الله والتاريخ

قلتُ استقرَّ

كالرمح يا نيرونُ...

لم آكل العيشَّة

غير الرّملِ, جوعي يدورُ كالأرضِ

أحجارٌ قصورٌ هياكلٌ أتهجّاها كخبزٍ رأيت

في دميَ الثالثِ عينيْ مُسافرٍ مزج الناس بأمواج

حلمِه الأبديِّ

حاملاً شعلةَ المسافات

 في عَقْلٍ نبيٍّ وفي دمٍ وَحْشيِّ.

وعليٌّ رَمَوْهُ في الجبِّ

 غَطُّوهُ بقشٍّ والشمس

تحمل قتلاها وتمضي هل يعرف الضوءُ

في أرض عليٍّ طريقَهُ ؟

هل يُلاقينا ؟

سمعنا دمًا

رأينا أنينًا.

سنقول الحقيقة: هذي بلادٌ

رفعت فخذَها

رايةً...

سنقول الحقيقة: ليست بلادًا

هي إصطبلنا القمريّ

هي عُكَّازة السّلاطين سجَّادةُ النبيّ

سنقول البساطة:

في الكون شيءٌ يسمّى

الحضور وشيءٌ

يُسمى

الغيابَ نقول الحقيقةَ:

نحن الغيابْ

لم تلدنا سماءٌ لم يلدنا ترابْ

إننا زَبدٌ يتبخَّرُ من نَهَرِ الكلماتِ

صدأٌ في السماء وأفلاكها

صدَأُ في الحياةِ!

 

             ━━━ ???? ━━━???? ━━━

 

                 ????  الفصل الثاني

 

المقدمة :

 أدونيس، في تقديري، ليس مجرد شاعر كبير عبر تاريخ الشعر العربي الحديث، ولا مجرد اسم ارتبط بالحداثة الشعرية ومشروعاتها الفكرية والنقدية .

 

إنما هو رجل استثنائي حمل المأساة العربية في وقت مبكر، ودخل إلى قلبها قبل أن تصبح كثير من أسئلتها موضوعًا شائعًا في الخطاب الثقافي.

 

حمل أسئلة الإنسان العربي وهو يواجه الهزيمة، وانكسار اليقين، واستبداد السلطة، وثقل الموروث، وانسداد المستقبل؛ ولذلك لم تكن قصيدته في جوهرها ترفًا لغويًا، ولا تمرينًا على التجريب، بل كانت محاولة شاقة للبحث عن إنسان آخر، ووعي آخر، وحياة أخرى.

 

وقد يكون من الظلم أن نقرأ أدونيس بوصفه شاعرًا للحداثة فقط؛ لأن الحداثة عنده لم تكن تغييرًا في شكل القصيدة وحسب، بل كانت موقفًا من الوجود، ومن التاريخ، ومن السلطة، ومن علاقة الإنسان بما ورثه وما يريد أن يصير إليه.

 

ولهذا ظل مشروعه، منذ بداياته، مشروعًا قلقًا، مشاغبًا، صادمًا أحيانًا، ومثيرًا للاختلاف دائمًا. وهو في ذلك يشبه النصوص الكبرى التي لا تسمح لقارئها أن يخرج منها كما دخل إليها.

 

لقد حمل أدونيس المأساة مبكرًا، لكنه لم يستسلم لها.

حوّلها إلى سؤال،

وحوّل السؤال إلى شعر

وحوّل الشعر إلى مشروع فكري

 ظل يطارد الثابت والمغلق والجاهز.

 

ومن هنا جاءت أهمية أن نقرأه لا بوصفه شاعرًا ينبغي أن نصفق له، ولا بوصفه مشروعًا ينبغي أن نحاكمه مسبقًا، وإنما بوصفه ظاهرة شعرية وفكرية تستحق أن نقترب منها بمحبة الناقد وصرامته في آن واحد.

 

وفي هذه الدراسة، حاولت أن أقترب من أدونيس من أكثر من نافذة: من المسرح الداخلي للذات، ومن أعماقها النفسية، ومن بنيتها الدرامية، ومن محيطها الاجتماعي، ومن علاقتها بالسلطة والتراث والحداثة.

 

ولم يكن هدفي أن أضع الشاعر في قفص منهجي واحد، لأن شاعرًا بهذا الاتساع لا يمكن أن تستوعبه أداة نقدية منفردة.

 

لقد حاولت أن ألاحق هذا الطيف:

 الإنسان المختبئ خلف المفاهيم،

والجرح المختبئ خلف الثورة،

والقلق المختبئ خلف اللغة،

والسؤال المختبئ خلف كل محاولة لهدم اليقين.

 

ولست هنا بصدد إعلان انتصار لأدونيس على خصومه، ولا هزيمة له أمامهم.

 

فالناقد الذي يحب شاعرًا حقًا لا يجامله، كما أن الناقد الذي يختلف معه لا ينبغي أن يظلمه.

 

المحبة النقدية ليست تصفيقًا، والنقد ليس خصومة.

وبين المحبة والصرامة تتشكل القراءة التي أبحث عنها؛ قراءة ترى الجمال، لكنها لا تغض الطرف عن التناقض، وترى القوة، لكنها لا تخشى أن تسأل عن مناطق الضعف، وتحتفي بالمغامرة، لكنها تسأل دائمًا:

 

إلى أين قادت هذه المغامرة؟

 

لقد كان أدونيس، طوال هذه الرحلة النقدية، أكثر من شاعر أقرأه؛ كان عالمًا واسعًا أدخل إليه كل مرة من باب، فأجد خلف الباب أبوابًا أخرى.

 

وكلما ظننت أنني أمسكت بمفتاح من مفاتيح تجربته، اكتشفت أن التجربة أوسع من المفتاح.

 

ولهذا امتدت هذه الدراسة، وتعددت قراءاتها، وتداخلت فيها النفسية والدرامية والسوسيولوجية والفكرية،

لأن المشروع الذي أمامنا لم يكن مشروع قصيدة فحسب، بل مشروع إنسان أراد أن يعيد تعريف علاقته بنفسه وبالعالم.

 

ولأن هذه الدراسة هي خاتمة مشروعي النقدي حول تجربة الشاعر الكبير، فإنني لا أستطيع أن أضع خاتمتها دون أن أقول كلمة شخصية صادقة، لا علاقة لها بالمصطلح النقدي ولا بالمنهج ولا بالمقولات النظرية.

 

كلمتي للتاريخ :

لقد كان أدونيس

خلال هذه الرحلة، رفيقًا حقيقيًا لي.

 

كان حاضرًا في تفاصيل الدراسة، لا بوصفه موضوعًا للنقد فقط، وإنما بوصفه إنسانًا أجد منه الاستجابة حين أحتاج إلى سؤال، والكلمة المشجعة حين يطول بي الطريق. وفي كل مرة كنت أتواصل معه، كان الهاتف يختصر المسافة بين الناقد والشاعر، وبين السؤال والجواب، وبين الباحث وموضوع بحثه.

 

ولم تكن سرعة الاستجابة وحدها هي ما بقي في نفسي، بل ذلك التشجيع الذي كان يمنحني إياه، والذي جعلني أشعر أنني لا أكتب عن شاعر بعيد، وإنما أمضي في رحلة نقدية مع إنسان يعرف معنى أن يحمل الآخر مشروعه بجدية ومحبة.

 

ومن القلب، أشكره.

 

أشكره على حضوره الإنساني قبل حضوره الشعري، وعلى ثقته، وعلى تشجيعه، وعلى تلك الرفقة التي لم تكن عابرة في مسار هذه الدراسة.

 

وأشكره لأن الشاعر الكبير لم يسمح بأن تكون المسافة بيننا مسافة كتاب وقارئ،

بل جعلها، في لحظات كثيرة، مسافة إنسانية جميلة، يتقدم فيها السؤال ويأتي التشجيع في وقته.

 

ولعل أجمل ما يمكن أن أختم به هذه الرحلة أن أقول:

 

لقد قرأت أدونيس ناقدًا، واختلفت معه ناقدًا، وسألته ناقدًا، وناقشت بعض اختياراته ومواقفه ومقولاته؛ لكنني في نهاية الطريق أقولها بمحبة خالصة:

 

إنني خرجت من هذه الرحلة أكثر احترامًا للشاعر، وأكثر تقديرًا للإنسان الذي حمل مبكرًا أسئلة عصره، ودفع ثمن مغامرته الفكرية والشعرية، وظل مصرًا على أن الشعر ليس زينة للحياة، بل أحد أشكال مقاومتها.

 

أدونيس الذي بدأت معه هذه الرحلة كان شاعرًا أقرأه؛ أما أدونيس الذي أصل معه إلى نهايتها فهو شاعر رافقني.

 

وبين القراءة والرفقة مسافة لا يقطعها النقد وحده، بل تقطعها المحبة.

 

لذلك أهدي ختام هذه الدراسة إلى الشاعر الكبير أدونيس، لا بوصفها شهادة إعجاب، وإنما بوصفها شهادة وفاء لرفقة تركت في نفسي أثرًا لا تمحوه صفحات النقد.

 

فالنقد ينتهي عند آخر سطر

أما الأثر الإنساني الجميل

فلا تنتهي صفحاته

 

د. عبدالكريم الحلو

كاتب وناقد أدبي عراقي

 

             ━━━ ???? ━━━???? ━━━

 

                 ????  الفصل الثالث

 

????  البعد الاول  :

القراءة النقدية الداماتيكية :

 

المسرح الداخلي للإنسان المأزوم

قراءة دراماتيكية و نفسية وسوسيولوجية

في قصيدة   :   هذا هو اسمي

للشاعر الكبير  أدونيس

الناقد د. عبدالكريم الحلو

 

القصيدة ليست نصاً… إنها مشهد

حين قرأت  «هذا هو اسمي» قراءة دراماتيكية، لم أرى أمامي شاعرا يجلس ليكتب قصيدة عن الهزيمة.

 

بل رأيت إنسانا يدخل إلى مسرح مظلم، يبحث عن نفسه بين الركام،

ثم يبدأ في محاورة العالم والمرأة والتاريخ والموت والمدينة والسلطان واللغة.

 

ومن هذه الزاوية تصبح القصيدة

أكثر من نص شعري.

تصبح مسرحية نفسية بلا خشبة.

الشخصيات موجودة، لكنها لا تظهر بأجسادها كاملة.

 

هناك:

أنا. أنت. نحن. المرأة. المدينة. علي.

السلاطين. الجماعة. الموت. التاريخ.

والشاعر نفسه.

 

لكن المفاجأة أن هذه الشخصيات كلها يمكن أن تكون في النهاية أقنعة لذات واحدة ممزقة.

 

●  من هنا نبحر  بالقراءة النقدية :.

فالقصيدة، التي كتبها أدونيس في أعقاب هزيمة 1967، لم تجعل الهزيمة موضوعا سياسيا مباشرا، وإنما حولتها إلى أزمة في الهوية والوعي والوجود.

 

وقد رأت دراسات نقدية عديدة فيها نصا مركزياً في مشروع الحداثة الأدونيسية، ودرسته من زوايا وجودية وثورية وبنيوية وحوارية مع التراث.

 

أما أنا فسأقرأها  :

( درامياً ونفسياً وسوسيولوجياً)

 

●  المشهد الأول:

 

« هذا بدئي»… لحظة الولادة

يفتتح أدونيس القصيدة من منطقة غريبة:

« ماحيا كل حكمة هذه ناري »

ثم:

«هذا بدئي»

لاحظوا المفارقة.

إنسان يريد أن يبدأ،

لكنه لا يبدأ من أرض صلبة.

يبدأ من المحو.

وهذه أول عقدة نفسية في النص:

" لا أستطيع أن أولد إلا إذا محوت

ما ولدت فيه"

وهذا هو الصراع الأول.

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 208 الشهر 26005 الكلي 16115709
الوقت الآن
السبت 2026/8/22 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير