الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
تهويمات آخر العمر

بواسطة azzaman

أذن وعين

تهويمات آخر العمر

عبد اللطيف السعدون

 

عندما خاطب محمد الماغوط، بدر شاكرالسياب: «تشبث بموتك أيها المغفل، دافع عنه بالحجارة والأسنان والمخالب، فما الذي تريد بعد أن تراه؟» كنا يومها نلتصق بالحياة، نحسب عنفوانها في أعماقنا، تسكننا آمال التغيير، و نتجرأعلى مواجهة خطايا العالم كأننا موكلون بذلك، كنا ثوارا بالعقل والقلب والضمير، نقيس سوانا باقترابه أو بعده عنا، ولذلك وجدنا في مقولة الماغوط مسحة تشاؤم واكتئاب، ولمن غفر له نبوءتها مثقلة بالهم حتى سقطنا نحن معه في ذات الهوة التي صنعها القدر لجيلنا الذي سماهم طاع صفدي «جيل القدر» في كناية عن قدرته على صنع التغيير، وان بدت تلك التسمية لنا اليوم وكأنها ضرب من السخرية اللاذعة.

ونعرف أن بدرا كان يتشبث بالحياة حتى وهو يعاني من مرضه العضال الذي يجعله يموت في اليوم الواحد مرات، لكنه لم يفكر في الانتحار أو نشدان الموت كي يتخلص من آلامه: «لك الحمد مهما استطال البلاء، ومهما استبد الألم+ لك الحمد ان الرزايا عطاء، وأن المصيبات بعض الكرم»، كان مثله الذي يتقمصه أيوب الذي مسه الضر، ونجاه الله لصبره، «اختارت نفسي الموت على عظامي هذه، فقد ذبت، لا الى الأبد أحيا»

أبواب نهايات

وهكذا نشعر اليوم، ونحن على أبواب النهايات حيث يصبح للحياة شكل مختلف، وطعم آخر غير الذي اعتدناه ونحن في هوس العمر المهدور، في آخر العمر يخف الضجيج، وتهدأ النفس، ويسكن الجموح، وتخفت الحماسة، ويحس المرء أن عمره قد مر، وبقي فقط «الجسد الذي تملأه الحروف»، بتعبير جورج آمادو.

يحدث ذلك في لحظة فاصلة حادة مثل سكين، حيث تتساقط الأشياء الجميلة فجأة، وتختفي النزوات العابرة، ويصبح للأشياء طعم الملح، ويبدأ حوار متقطع موصول في آن معا عن حكمة الموت، حكمة الحياة  نفسها، ويصبح السؤال: بعد عمر عريض ما الذي فهمناه من الحياة، أو بعبارة أخرى: ما هي الحياة؟ نتذكر عبارة للفنان الإنجليزي الراحل جون لينون: «الحياة هي كل تلك الأشياء التي تحدث لنا بينما نكون نحن منشغلين بوضع خطط أخرى للنظر في أشياء أخرى هي غير التي تحدث»، وإذا أردنا تعبيرا أدق، وأكثر وضوحا نجد ما قاله أحد الحكماء ذات مرة: «الحياة هي ليست ما حدث بالأمس، وليست ما يحدث مستقبلا، انما هي ما يحدث الآن»، و»كلمة «الآن» تعني اللحظة التي علينا أن تقتنصها.

أكمل وجه

وهكذا فإننا ما أن نفتح أعيننا في الصباح ينبغي علينا أن ندرك أننا لا نزال أحياء، وفي تلك اللحظة العابرة نكتشف أننا نولد من جديد، ونتفاعل مع الحياة التي تحيط بنا، وأن نفكر أن نعيش الحياة على أكمل وجه، ولا يعني ذلك استسلاما، ولا تجاهلا للنهاية التي سنواجهها حتما في ساعة ما، ولا مفر من استقبال  الخاتمة، والتأمل في الخاتمة يجب أن لا يضعف حماسنا للحياة، وإنما يمنحنا هدفا أعمق، والتزاما تجاه من هم حولنا، وأن نترك لهم إرثا مفاده أن الحب دائما هو أقوى من قسوة الموت

وما يبقى هو كومة أسئلة: ماذا قدم الكاتب؟  ماذا كتب الروائي؟ ماذا رسم الفنان، ماذا أبدع الموسيقار، ماذا حقق الفيلسوف؟

هنا يبرز الزمن كحقيقة كبرى تلتف مثل الأفعى على رقاب كل هؤلاء، ويتحول إلى علامة فارقة مندفعة إلى طريق النهايات، وسرعان ما يبرز السؤال الكبير، والأكثر حكمة وموعظة: ما العمل وكيف؟

تفاصيل صغيرة

أن أشياء كثيرة قد توقفت، وأحداث كبيرة عبرت، وبقي البطل وحده مثل بهلوان في سيرك، يرقص على حبل مشدود من طرفيه، وكل طموحه الضيق أن ينجو من ركام التفاصيل الصغيرة التي عاشها، وأن يخلص نفسه من عبث الزمان وصدئه، وأن ينقطع لاستلهام الحكمة، وقد قيل له أن الحكمة لا تجيء إلا آخر العمر، وكم من مرة وقف ساخرا وهو يتمتم: إذا كان الأمر كذلك متى يستخدمها إذا؟

لكن نظرة واحدة من عينيه الغائرتين إلى المرآة التي نصبوها أمامه تكشف له بقايا البقايا من شعر رأسه المبيض، لكأنما هذه المرآة تحاصره، تشده إلى ماضيه العتيق الذي ما عاد يؤنسه أو يسليه، إنها الدهشة التي لا تستغرقه فحسب إنما تستغرق كل أيامه القادمات، القادمات بسرعة البرق.

وفي النهاية سيرفع الراية البيضاء، ويستسلم، ليس ثمة خيار آخر.


مشاهدات 43
الكاتب عبد اللطيف السعدون
أضيف 2026/08/22 - 1:15 AM
آخر تحديث 2026/08/22 - 2:18 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 184 الشهر 25981 الكلي 16115685
الوقت الآن
السبت 2026/8/22 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير