الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
بعد أن بلغ العمر عتيًّا... ينتظر مجيء الحق

بواسطة azzaman

بعد أن بلغ العمر عتيًّا... ينتظر مجيء الحق

عماد يوسف خورشيد

 

في إحدى المدن، كان هناك زوجان بلغا من العمر عتيًّا، جاوزا الثمانين، وكانا متقاعدين من مهنة التعليم (معلمين). وفي عام 2026، بدأ الناس يتهافتون على التقديم إلى قرعة الحج للأعوام الثلاثة القادمة. فأرسل أحد الشباب ( قريب لهما) خبرًا مع شخص إليهما يسألهما: "ألا تتقدمان إلى قرعة الحج لأداء فريضة الحج؟ وهل يوجد من يتولى التقديم لكما إلكترونيًا؟". فأجابا: "كلا، لا نقدم لقرعة الحج".

فتعجب الشاب من جوابهما؛ لأنه يعلم أنهما من الملتزمين بأوامر الله تعالى، ومن المربين الذين غرسوا القيم والمبادئ في أجيال متعاقبة من الأطفال. فكيف لهما أن يقولا: "لا نتقدم إلى قرعة الحج"؟

وقبل انتهاء مدة التقديم بيوم، ذهب الشاب إلى بيتهما وسألهما: "ما سبب عدم التقديم إلى قرعة الحج؟ إن كان الأمر يتعلق بإجراءات التقديم، فقد جئت لأتولى ذلك عنكما، وإن كان السبب ماديًا فأنا على استعداد لتحمل تكاليف الحج".

فأجاب الرجل الكبير: " يا عزيزي: هذه هي المرة الخامسة التي أتقدم فيها لقرعة الحج، ولسنوات متباعدة، ولم يظهر اسمي في أي منها، لذلك لن أتقدم مرة أخرى. ورب العالمين أعلم بنيتي ومحاولاتي التي لم تُكلَّل بالنجاح في الذهاب إلى الحج لعدم ظهور اسمي في القرعة". فقال الشاب: "إن حج هذه المرة يختلف، فالأولوية لكبار السن، حسب ما اعلن، خلاف السنوات السابقة، قدِّما وإن شاء الله يظهر اسمكما".

فقال الرجل: "يا بني، العمر عدا، وقدماي لم تعودا تحملانني. وإن كنت تقول إن الأولوية لنا، فما الفائدة من ذلك بعد أن فات قطار الصحة ووَهَن الجسد؟!". ألحَّ الشاب عليهما كثيرًا، لكنهما كانا قد فقدا الثقة. ثم سأل الشاب الزوجة العجوز: "وأنتِ، لماذا لا تتقدمين؟". فقالت: "لقد انهدَّ حيلي، وكنت أتمنى أن أذهب إلى الحج وأؤدي مناسكه وأنا بعافيتي، لكن عدم ظهور اسمي في القرعة لسنوات كان السبب". فقال لها الشاب: "إن شاء الله الأمر ميسَّر، فقد باتت الإجراءات والوسائل أكثر سهولة في بلد الحرمين، وهناك عربات يقودها مرافق تساعدك على أداء المناسك، كما يمكنك تفويض شخص آخر لأداء بعض المناسك التي قد لا تستطيعين أداءها بنفسك. كما كانت هيئة الحج والعمرة العراقية، ولسنواتٍ عدة، في صدارة الهيئات المقدمة للخدمات للحجاج على مستوى العالم الإسلامي والبعثات الوافدة، وحافظت على المرتبة الأولى في العام الماضي بما قدَّمته من خدمات متميزة وتنظيم.

وبعد إصرار الشاب على إقناعهما، قالا: "لقد فقدنا الثقة، ولكن حتى لا نُخيِّب ظنك بنا، قدِّم لنا، والله أعلم بالنيات". وقرأ الرجل العتيّ قوله سبحانه وتعالى: (مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ). "وليكن معنا ابني أو ابنتي ليساعدانا في أداء مناسك الحج". فقال الشاب بتردد خشية أن يُبدِّلا رأيهما: "لكن شروط الحج تنص على أنه لا يجوز أن يكون عمر المرافق أقل من خمسة وأربعين عامًا!".

فقال الرجل الطاعن في السن: "وهذا كيف يكون؟! لم يدعونا نذهب ونؤدي الواجب بأنفسنا، وها نحن قد كبرنا، ومع ذلك لا يسمحون لأحد من أولادنا أن يكون معنا!".

فقال الشاب: "والله إن معك الحق. ومع ذلك قدِّم، فربُّك لا يقطع سبيل المعروف، وأسأل الله أن يسخِّر لكما من يعينكما". وبعد حوار طويل عن الظلم والحق، وعن كِبَر السن وما يتركه من ألمٍ في النفس، وافقا أخيرًا، وقالا: "قدِّم، وعلى الله توكلنا".

 

فقدم الشاب طلبهما، وقد غمرت السعادة قلبه، وامتلأت عيناه بالدموع فرحًا ليكون سببًا في إيصال حقهما، وأداء أحد أركان الإسلام. ثم قال لهما وبابتسامة: "من الآن فكّرا في تهيئة الحقيبة وما تحتاجانه في رحلة الحج، وكيف سنستقبلكما بعد العودة بالفرح واجتماع الأقارب". فقالا له: "ألديك كل هذه الثقة بأن يظهر اسمُنا؟". فقال الشاب مبتسمًا: "قولوا: يا الله، وتفاءلوا بالخير تجدوه". حسب الوعود لكبار السن، يفلحون إن صدقوا.

وبعد إتمام إجراءات التقديم، غادر الشاب. وعندما ركب سيارته، قالا له وهما سعيدان: "إن شاء الله تذهب إلى الحج وأنت شاب". فقال: "آمين، يا رب العالمين".

خلاصة القول، إن قيمة العدالة، عند إقرارها في موضوع ما، يجب أن تُدرس من جميع جوانبها، وألا تتأخر في الإتيان؛ لأن تأخرها غالبًا ما يفقدها جوهرها وتأثيرها، ويزعزع ثقة الناس في تطبيقها، كما هو الحال مع الزوجين المسنين. وقد يجد هذا التأخير وسائل للمعالجة، ولكن بدون عافية البدن، فكيف يكون الحال إذا جاءت العدالة لتُطبق بعد أن يكون صاحب الحق قد فارق الحياة وانتقل إلى جوار ربه؟ لذا، فإن الأصل أن تُمنح الحقوق لمستحقيها، وفي أوانها، لتحتفظ بروحها وتبقى مع أصحابها، فيتمكنوا من رؤيتها والاستفادة منها. تلك هي غاية حكمة العدالة.

 

 


مشاهدات 59
الكاتب عماد يوسف خورشيد
أضيف 2026/07/25 - 2:45 AM
آخر تحديث 2026/07/25 - 4:23 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 287 الشهر 26867 الكلي 15931994
الوقت الآن
السبت 2026/7/25 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير