بلاغ رقم.. وطنٍ مقتول
حامد الضبياني
أيُّها الواقفونَ على نعشِ العراق...
أنزلوا أحذيتكم!
فأنتم تدوسونَ وجهي.
أنا العراقُ...
لا الخارطةُ التي علّقتموها على جدرانِ الخطب،
ولا النشيدُ الذي تذبحونه كلَّ صباحٍ فوق المنابر،
أنا صرخةُ أمٍّ ما زالت تبحثُ عن ولدها
في جيوبِ اللصوص.
أنا جوعُ سبعةِ آلافِ عامٍ
حين يفتحُ فمَهُ دفعةً واحدة.
اسألوا النهرَ...
من الذي علّمهُ أن يجري نحو البكاءِ؟
واسألوا النخلةَ...
من الذي علّمها أن تقفَ وحيدةً
في جنازةِ البلاد؟
واسألوا اللهَ...
كم مرّةً بكى العراقُ
ولم يسمعهُ أحد!
لقد سرقوا الوطنَ...
ولم يتركوا لنا سوى صورته.
سرقوا القمحَ من السنابل،
والنورَ من عيونِ الأطفال،
والأمانَ من صدورِ الأمهات،
ثم وقفوا أمامَ الكاميراتِ مبتسمين
كأنّهم أنبياءُ الخلاص!
أيُّها السادةُ...
لم تعدْ في البلادِ خزينةٌ تُسرق،
لقد صارت البلادُ نفسُها هي المسروقات.
باعوا النهرَ،
وأجّروا السماءَ،
ورهنوا التاريخَ،
وقسّموا اللهَ بينهم حصصاً سياسيةً
وأبقوا الوطنَ أرملةً
تنامُ كلَّ ليلةٍ
في حضنِ المقابر.
وأنا...
أنا العراقيُّ الذي تعلّمَ الصمتَ
كي لا يُصلبَ على بابِ الحقيقة.
أنا الذي أخفيتُ غضبي
في ضلعٍ مكسور،
وخبّأتُ وطني
في دمعةٍ خائفة.
أنا الذي كان ينبغي لهُ أن يصرخ،
لكنَّ ألفَ سكينٍ
كانت تنامُ تحتَ حنجرتي.
لا تظنّوا أنَّ الخوفَ هزمني،
فالخوفُ لا يصنعُ العبيدَ دائماً،
بل يصنعُ الثوراتِ أيضاً.
أنا لم أنم...
أنا كنتُ أتدرّبُ على القيامة.
كنتُ أُحصي عددَ الخناجرِ في ظهري،
وعددَ اللصوصِ فوقَ جثّتي،
وعددَ الذينَ ماتوا واقفين
كي أبقى أنا...
شاهداً على الجريمة.
أيُّها اللصوص...
رويدكم!
فما زال في العراقِ طفلٌ
يحفظُ اسمَهُ جيّداً.
وما زالتِ النخلةُ
تحملُ ألفَ معركةٍ في قلبها.
وما زال دجلةُ
يُخبّئُ تحتَ موجِه ألفَ ثائر.
أما أنا...
فأنا التنّينُ الذي أخافَتْهُ السكاكينُ قليلاً،
لكنّها لم تقتله.
أنا غضبُ الجياعِ
إذا استيقظوا.
وأنا بكاءُ الأراملِ
إذا تحوّلَ إلى رصاص.
وأنا صلاةُ الشهداءِ
إذا خرجتْ من المقابرِ غاضبة.
فاحذروا...
إنَّ الأوطانَ لا تموتُ تحتَ أقدامِ الخونة،
بل تنامُ قليلاً
لتختارَ موعدَ انتقامِها.
واحذروا...
فليس أخطرَ من شعبٍ
لم يعُدْ لديه ما يخسرهُ
إلّا قيودَه.
سيأتي ذلك الصباح...
لا لأنَّ السياسيينَ أرادوه،
ولا لأنَّ اللصوصَ تابوا،
بل لأنَّ العراقَ تعبَ من دفنِ أبنائه.
سيأتي...
حين تخلعُ البلادُ نعشَها،
وتكسرُ قفلَ المقبرة،
وتغسلُ وجهَها بدموعِ الفقراء.
عندها...
لن أسألَ من سرقني،
فالتاريخُ لا يحاكمُ الجثثَ الهاربة.
سأقولُ فقط:
كنتُ عراقياً...
فأصبحْتُ العراقَ كلَّه.
وكنتُ خائفاً...
فأصبحَ الخوفُ يخافُ منّي.
وكنتُ نائماً...
فاستيقظَ في صدري وطنٌ
لا ينام.