الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
أرجوك... اتخذه عبدًا
كامران رؤوف

بواسطة azzaman

أرجوك... اتخذه عبدًا

قصة : كامران رؤوف
ترجمة عن الكردية: آوات محمد أمين

الديكور عبارة عن غرفة فارهة.

 

تدخل امرأة في العقد الخمسين من عمرها، متشحة بالسواد، تتقدم بخطوات هادئة وتجلس على معقد وسط خشبة المسرح. تصوب بصرها نحو مكان محدد في صالة المشاهدين حيث يفترض ان يجلس فيه السيد فهمي.

هناك فترات صمت في حديث المرأة توحي بانها تستمع الى سؤال او تعقيب من السيد فهمي دون ان نسمع حواره ويتضح السؤال عند اجابة المرأة عليه.

المرأة: سيد فهمي،
هل تتذكرني...؟

لا أعاتبك. لقد مرت سنين طويلة... أعتقد أن آخر مرة التقينا فيها كانت قبل أيام من الانتفاضة. التقينا عند الحدود، وكانت معك زوجتك نازنين.

(وهي جالسة على الكرسي)

اثنان وثلاثون عامًا... ليس بالقليل. إنها فترة طويلة.

أعلم أنك مشغول جدًا باجتماعاتك الحزبية والانتخابات وحياتك الخاصة.

(فترة صمت وكأن السيد فهمي يعتذر لها)

لا... لا... لن أعاتبك. لو أي شخص اخر مكانك، ربما لن يتذكر اقرب المقربين ولضعفت ذاكرته. لكنني أنا و نازنين، لم ننسَ شيئًا.

ليتها كانت هنا، ولم تضطر إلى العيش خارج البلد وتتحمل متاعب الغربة، لكن ذلك من حقها... على أي حال، اشعر كأننا لم نفترق؛ نتخابر كل ليلة، ونتبادل الهموم.

جلّ حديثنا هو عن ذكريات الحياة في الجبال... انتصاراتنا وهزائمنا، الجوع والمآسي... ذكرى أولئك المقاتلين الذين استشهدوا ولم يعيشوا ليروا زمن الحرية، فلم يروا اليوم الذي يحكم فيه الشعب بنفسه ويخطط لتحقيق حلمه القديم بالاستقلال.

لا أتذكر بالتحديد اليوم الذي تحدثنا فيه عن الهجرة المليونية. لا أتصور أن هناك شعبًا جرّب الهجرة مثلنا. فمنذ نعومة أظفاري، ونحن نعيش الهجرة والانكسارات؛ تارةً نحو الجانب الآخر من الحدود، وتارةً أخرى نحو حدودنا، وأحيانًا نهجر الوطن من الداخل. 

واليوم، وفي ظل حكمنا، تستمر هجرة الشباب.

في البداية بدأنا بنهب الوطن... ومستمرون حتى اليوم.

في تلك السنوات كانت الكهوف محلّ سعادتنا وميراثنا... فمن كان يحصل على كهف يعتبر ملكًا، كما أن ضوء قنديل كان ينير أعماقنا.

كل يوم كنا نحمل دلو الماء ونصعد لساعات لكي نروي عطشكم، أنتم المقاتلين. كنت مثل الحمار، أحمل على اكتافي أربعة صناديق من الرصاص لأوصلها إلى خنادقكم... هلكت من أثر تسلّق الجبال وأنا أحمل على ظهري الأثقال، وطفلي دابان بين أحضاني.

حينها كنت امرأة شابة وقوية... رغم كل مصاعب الحياة، كانت قلوبنا مملوءة بالأمل والثقة بالمستقبل... أما اليوم، فإنني منهكة، أشعر بالضياع. ومن شدة آلام الجسد والإحباط النفسي قد تبدّل ليلي نهارًا، ونهاري ليلًا. نقضي أيامًا مظلمة جدًا.

(تصمت وتنظر إلى المتفرجين، وكأن الشخص المقابل يسألها)

المرأة:
لماذا؟!

لأننا لا نرى ضوءًا في نهاية النفق...

هل تتذكر؟ ذات يوم قامت قوة كبيرة من العدو بمهاجمة منطقتنا... أنا وزوجتك كنا نحمل بندقية صدئة، ودخلنا موقعكم وبدأنا نقاتل إلى جانبكم.

لا... عفوًا، فأنت لم تشارك في تلك المعركة، لأنك كنت في المدينة، حيث سلّمت نفسك.

نازنين رفضت أن تصطحبك إلى المدينة... اما انا فلا يزال جسمي يحمل آثار الشظايا وجروح الرصاص...

نجوت من الموت المحقق مرات عديدة... لم أمت، وكأن قدري هو ان ابقي لارى هذه الايام.

(فترة صمت، كأنها تجيب الشخص المقابل)

لا... لا... أتذكر جيدًا. رغم أن ذاكرتي ضعفت حاليًا، فإن ذكريات الجبال ما زالت باقية في رأسي، مثل نقش على حجر.

أنت سلّمت نفسك... وعدت بعد سنة. لكن ماذا كان عذرك لكي يقبلوا بك من جديد في صفوف المقاتلين؟ فأنا لا أعلم ذلك.

هل تتذكر عذر الخال عبد الله؟! الرجل الذي أرسلوه لشراء الرغيف من القرية المجاورة، لكنه ذهب مباشرة إلى المدينة دون أن يخبر أحدًا، ومضى ثلاثة أشهر بين عائلته، ثم عاد إلى الجبل حاملًا كيسا من الرغيف. وعندما سأله أصحابه عن سبب غيابه لفترة طويلة، أجاب بأن المخبز كان مزدحمًا جدًا.

عن ماذا كنت أتحدث...؟!

(فترة صمت، وتأخذ نفسًا طويلًا)

الذي يثير التساؤل عندي... في الماضي، كنا جميعًا نسلك الدرب نفسه... كنا نتعالج بنوع واحد من الدواء، وكان طبيب الثورة هو الوحيد الذي يعالجنا...

لكن اليوم، لا طريقك هو طريقنا، ولا نوع سيارتك يشبه سياراتنا، كما أن الدواء والمشفى ومدارس أطفالكم، كلها تختلف عما نستخدمه.

حتى أزقة وشوارع المدينة تعاتبكم، ولا تتذكركم.

(صوت هاتف نقال، والمرأة تصمت)

تفضل... أجب...

(من ملامحها يبدو وكأن فهمي يتفوّه بألفاظ نابية)

عفوًا، سيد فهمي، قد آخذ من وقتك... أعرف أن مشاغلك كثيرة.

أنا زوجة الشهيد آزاد... آزاد صديقك ورفيقك في النضال...

(فترة صمت)

نعم، تغيّرت كثيرًا...

(مبتسمة)

حتى إنني لا أشبه نفسي.

(فترة صمت)

نعم، إنه كذلك... في الماضي كنت قليلة الكلام... لكنني كنت أتكلم بصمت، بلا كلمات. فكل عمري تحدثت بلا كلمات... كنت اتلوى في داخلي من آلام ذلك الصمت، واليوم أسرد عليك ما تجمّع عندي من كلمات خلال السنوات الاثنتين والثلاثين... اثنان وثلاثون عامًا من الحرية التي نعيشها.

(فترة من الصمت... تسعل)

لا... شكرًا... لا أشتهي أي شيء، فقط قليلًا من الماء...

لقد فقد كل شيء طعمه ولذّته.

ذات يوم، جهّز آزاد نفسه بسرعة، واصطحب مجموعة من المقاتلين لكي يذهبوا لنجدة مفرزة كانت محاصرًة من قِبل قوة من الجيش والخونة. وكانت تلك آخر معركة في الدفاع عن الأرض والوطن.

عندما رآني مضطربة، قال: عزيزتي، لا تقلقي، سأعود قريبًا... أنتِ لم تكوني جبانةً أبدًا... قلت لكِ: سأعود قريبًا... أحضري لي بعض الحلوى، أشتهيها كثيرًا. صدقيني، سأعود إليكِ قبل أن تبرد.

تركتُ الحلوى على النار لكي لا تبرد، بانتظار عودته... لكنه لم يعد... لقد كذب عليّ.

كانت تلك هي المرة الأولى في حياته التي يكذب فيها عليّ... رفعتُ رأسي إلى السماء، ودعوتُ الله أن يحفظه... شاهدتُ في السماء نجمةً هوت بسرعة كبيرة، فأضاءت المنطقة كلها، ثم انطفأت.

عندما تذوقتُ الحلوى، كان طعمها مرًّا... مرًّا مثل سمّ الأفعى. علمتُ بأنه استشهد، ومنذ ذلك اليوم لم أعد أتذوق أي طعام... فكل ما أتناوله مرّ... مرّ... مرّ.

ولسخرية القدر، فإن ابنه مثله تمامًا، بين يوم وآخر يقول:

أمي، أحضري لي الحلوى....

هل تعلم كم هو مؤلم... في أي دوامة أعيش...!؟

ما زلت أنتظره كل يوم... أنسى أنه استشهد.

وذاكرتي ضعفت كثيرًا... أكاد أُصاب بالخرف.

كل ليلة يأتيني في الحلم... أرغب في العودة مسرعةً من عملي كمنظفة منازل، لكي أنام وأكون سعيدةً برؤيته في الاحلام.

منذ اليوم الذي ودّعنا فيه، وأنا أفقد ذاكرتي بالتدريج... أحيانًا حتى إنني أنسى اسمي... فقط تلك الذكريات تبقى تجول في ذاكرتي ومخيلتي مثل غزلان الجبال.

أحيانًا أبدأ بالضحك من تلقاء نفسي، ثم أجهش بالبكاء... يقول ابني دابان:

أمي، هل جننتِ؟!

أقول في نفسي: ولدي العزيز، ومن ينال نعمة الجنون في هذه الأيام؟! يا لها من نعمة لو منحها الرب لشخص مثلي... وهناك الكثير من أمثالي... الكثيييير.

عندما كنت في الجبال، كنت مرفوعة الرأس وقوية... لكن عندما عدنا إلى المدينة، انحنى ظهري.

آنذاك لم أكن أخاف... لكن اليوم ينتابني الخوف مع بزوغ الفجر.

(كأن الشخص المقابل يقاطعها... فترة صمت)

المرأة:

من ماذا أخاف...؟!

اخاف على الوطن الذي قسمتموه...وطن فيه ما تشتهون من نعم وخيرات لكم ولابناءكم و وطنٌ مدمّر ومقيد بالسلاسل  لنا ولأبنائنا.

خوفي من قدمي، ألا تنجرفا... ومن أزقتنا وشوارعنا... من قرانا وأنهارنا وينابيعنا، ومن مصير الأرض التي ضحينا بدمائنا من أجلها، والتي لا يعلم أحد من هو صاحبها. اليوم...

خوفي على المستقبل... على ابني دابان، أن تصيبه رصاصة طائشة... أو أن يقوم شخص مستهتر غبي، أو أحد أبنائكم، بإطلاق رصاصة عليه لغرض الترفيه فقط.

أتحمل كل تلك المصائب، لكنني لا أتحمل موت ابني دابان. لا أملك غيره، إنه سندي، فلا بد أن يبقى لديّ شيء من آزاد لكي أستمر في الحياة.

هل تصدقني بأنني كلما أضع رأسي على الوسادة، يعج راسي بالوساوس والمشاكل... إلى أن تعودت، وأصبحنا أنا والمآسي أقرباء وأصدقاء.

(فترة صمت... تنحني برأسها، كأن ألمًا يعصر قلبها)

عندما استشهد آزاد...

(ترفع رأسها فجأة وتنظر إلى المتفرجين، وكأن الشخص المقابل يتحدث إليها)

لا... ليس كذلك... لا أحد يتحمل المسؤولية...

أتعجب من كلامك، حيث تتحدث وكأنه استشهد من أجلك، لكي تجلس أنت على الكرسي...

هل نسيت أن نبضات قلبه وأنفاسه كانت تبعث الحياة للكثيرين، على الأقل لنا... أنا وابنه؟

نحن مرآة حقيقية... فقط تصوّر، إذا لم تشرق الشمس يومًا، ما الذي يحدث؟!

آزاد كان شمسنا، وشمسنا لا تشرق بعد اليوم.. لقد انطفأت.

ليت باستطاعتي الهروب من ذكرياتي... لكن، مع الأسف، إنها تحتل وجودي كله، ويستحيل التخلص منها.

(كأن الشخص المقابل قد انزعج)

لا... سأنهي كلامي، إذ لم يبقَ لديّ الكثير لأقوله... أعتذر إذا سببت لك الإزعاج، لأنك منذ مدة طويلة لم تسمع مثل هذه الأقوال...

لا... لا... لا أحتاج شيئًا... فقط لديّ طلب واحد... وهو ابني... ابني... أن تتخذه عبدًا عندك؟!

نعم، اجعله عبدًا عندك. فالمسكين أكمل دراسته الجامعية منذ سنوات، ويعمل بأجور يومية. ليكن معك، واتخذه عبدًا...

أما أنا، فلا أصلح لأن أكون أمَة لأنني تربيت في أوضاع قاسية وصعبة، وعشت في الجبال...

لذا أرجوك، أن تتخذ ابن الشهيد آزاد عبدًا لديك. وكن على ثقة بأنه، كما كان آزاد مخلصًا لهذا الوطن، سيكون ابنه مخلصًا لك فقط.

هؤلاء الشباب لم يجرّبوا حب الوطن... فعسى أن يأكل ملء بطنه، وأن ينعم بالحياة قليلًا، لاننا لا نستحق إلا العبودية... العبودية نصيبنا...

حتى أولئك الذين كانوا في خندق العدو يقاتلوننا وخانوا التاريخ، فإنهم أعلى درجة منا، ورواتبهم أعلى من رواتب شهدائكم، وذلك تقديرا لهم على خيانة الوطن.

أنتم استقطعتم جزءًا من مستحقات ورواتب الشهداء فادخرتموه... ليت آزاد ادّخر قسطًا من عمره، ولم يسبب لنا كل هذه المآسي.

أخي... أرجوك، لا تنسَ أن تتخذ ابني عبدًا... عبدًا.

مع السلامة.

 


مشاهدات 47
الكاتب كامران رؤوف
أضيف 2026/09/08 - 2:17 PM
آخر تحديث 2026/09/08 - 10:56 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 1614 الشهر 13488 الكلي 16546008
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/9/8 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير