المسؤولية القانونية للذكاء الإصطناعي
هشاشة الأنظمة التقليدية بمواجهة أخطاء الخوارزميات
موفق البياتي
يشهد النظام القانوني بأسره اسوة بمختلف مناحي الحياة تحولاً بنيوياً جذرياً بفعل التغلغل المتسارع لتقنيات الذكاء الاصطناعي في مفاصل الحياة العامة ، هذا التحول لم يعد مقتصراً على الجوانب التقنية فحسب ، بل امتد ليطال “ الفلسفة القانونية “ ايضاً فذكاء الاله لم يعد فكرة خيالية تنتمي الى روايات الخيال العلمي او مختبرات الشركات العملاقة ، بل اصبح واقعاً يفرض نفسه على مجمل تفاصيل الحياة اليومية ابتداءً من التشخيص الطبي الى ادارة المصارف، ومن تحليل البيانات الى صناعة القرارات ، وامام هذا التحول الهائل ، يقف القانون بوصفه الحارس التقليدي للنظام الاجتماعي امام تحدٍ غير مسبوق : هل ان القواعد القانونية التقليدية ما زالت قادرة على استيعاب هذا الوافد الجديد ، ام ان التطور التقني اصبح يتقدم بخطوات اسرع من قدرة التشريع على ملاحقته ؟
ان السؤال لم يعد يتعلق بمدى اهمية الذكاء الاصطناعي ، بل بمدى استعداد المنظومة القانونية للتعامل مع كيان قادر على التعلم ومن ثم اتخاذ القرار وانتاج المحتوى و من ثم التأثير في الحقوق والمراكز القانونية للافراد والمؤسسات . والذي يعني الحاجة الى اعادة النظر في الكثير من المسلمات القانونية التي استقرت لعقود طويلة .
تطور اجتماعي
هل اصبحت قوانيننا مجرد بقايا من زمن ما قبل الخوارزميات
لقد اعتاد القانون عبر التاريخ ملاحقة الوقائع المستجدة بعد ظهورها ، فالتشريع بطبيعته ابطأ من التطور الاجتماعي والاقتصادي وحتى التقني ، غير ان الفجوة التي نشهدها اليوم بين القانون والتكنولوجيا تبدو اوسع من اي وقت مضى .
ان القواعد القانونية التقليدية صممت لتنظيم افعال البشر والاشخاص المعنوية المعروفة ، بينما يخلق الذكاء الاصطناعي صوراً جديدة وغير مألوفة من السلوكيات والقرارات التي لم تكن في حسابات المشرع عند وضع معظم التشريعات القائمة ، وعندما يتمكن اي برنامج اي برنامج حاسوبي ان يكتب ما تشاء من العقود وان يحلل ما يقع امامك من الادلة ، خوان يقترح النصوص القانونية ، فأن السؤال يصبح اكثر تعقيداً مما نتصور ، هل تكفي النصوص القانونية التقليدية القائمة لمعالجة مثل هذه الوقائع الجديدة ؟
ان الواقع العملي يشير وبكل وضوح وتجل الى ان التكنولوجيا غالباً ما تتقدم على التشريع . فقبل ان يضع المشرع قواعده ، تكون التطبيقات التقنية قد انتشرت بالفعل وفرضت آثارها على المجتمع ، لذلك فأن الحديث عن تفوق القانون التقليدي على التطور التكنولوجي يكون اقرب الى الخيال ، وادنى الى التمني منه الى الواقع .
وهذا لا يعني عجز القانون ، ذلك ان القانون يملك ميزة لا تملكها التكنولوجيا ، تلكم هي القدرة على اعادة صياغة القواعد العامة و تكييفها مع المتغيرات ، لذلك فان التحدي الحقيقي لا يكمن في الصراع بين القانون والتكنولوجيا ، بل في قدرة المشرع على تطوير ادواته بالسرعة الكافية لمواكبة التحولات المتسارعة .
- المنزلة القانونية للذكاء الاصطناعي -
هل يحاسب القانون الذكاء الاصطناعي عن اخطائه
يشير الذكاء الاصطناعي اشكالية بالغة التعقيد تتمثل في تحديد مركزه القانوني ، فهل يعد هذا الذكاء مجرد اداة ، ام يمكن اعتباره شخصاً قانونياً مستقلاً . ام انه فئة جديدة تتطلب تنظيماً خاصاً ؟
ومن هنا ومن هذا المنظور القانوني البحت يبرز الجدل حول “ الشخصية القانونية لهذا الكيان الالكتروني “ فهل من الممكن ان نمنح الذكاء الاصطناعي كياناً قانونياً مستقلاً اسوة بسائر الاشخاص المعنوية الاخرى من شركات ومؤسسات وجمعيات وهيئات من تلك التي تتمتع بشخصية معنوية “اعتبارية” ليتسنى لنا تحديد مسؤوليته القانونية ومن دون ان يؤدي ذلك الى استخدام هذه الصفة كوسيلة للتنصل من مسؤولية الاشخاص الطبيعية او الشركات التي تقف وراءه لا بهدف اضفاء الصفة الانسانية على الالة ، وانما بهدف تأطير المسؤولية قانونياً وبما يحمي الافراد ويضمن جبر ضررهم بعيداً عن تعقيدات سلاسل التوريد التقنية العابرة للحدود.
حتى الآن ، تتجه غالبية الانظمة القانونية الى اعتبار الذكاء الاصطناعي مجرد وسيلة او اداة تقنية ، بحيث تبقى المسؤولية القانونية ملقاة على عاتق الاشخاص الطبيعيين او المعنويين الذين قاموا بتصميمه او تشغيله او الاستفادة منه ، وكما هو الحال في المسؤولية المدنية الناشئة عن الاشياء والتي تقررت احكامها في المواد “ 221- 231 “ من قانوننا المدني .
الا ان هذا المذهب او التصور يواجه صعوبات متزايدة تكمن فيما لو اتخذ النظام الذكي قراراً لم يكن متوقعاً من المبرمج نفسه ، وتسبب ذلك بالحاق الضرر الجسيم بالغير . فعلى من يلقى عبء المسؤولية ، فهل يتحملها المبرمج ام تتحملها الشركة المالكة ، ام المستخدم ، ام الجميع معاً .
هذا من جهة ، ومن جهة اخرى فأن منح الذكاء الاصطناعي شخصية قانونية كاملة يبدو امراً سابقاً لاوانه ، لان الشخصية القانونية ترتبط دائماً بالادارة والذمة المالية وتحمل الالتزامات واقرار الحقوق . ومثل هذه العناصر لا تزال غير متوفرة في الانظمة الذكية الحالية . ومع ذلك فأن الاصرار على اعتباره مجرد الة قد يصبح غير كاف في المستقبل .
تحديات قانونية
وربما يكون في استحداث نظام قانوني خاص للذكاء الاصطناعي يحدد قواعد مسؤوليته ومن دون الاعتراف له بالشخصية القانونية الكاملة هو الاكثر واقعية في الوقت الحاضر .
التشريع العراقي في مواجهة متطلبات العصر
تمثل مواكبة التشريعات العراقية للتطور التكنولوجي الهائل احدى اهم التحديات القانونية المعاصرة ، فالكثير من النصوص النافذة تم وصفها وصياغتها في بيئة مختلفة تماماً عن البيئة الرقمية التي نعيشها اليوم .
وعلى الرغم من ان القواعد العامة في القانون المدني والاثبات والعقوبات وغيرها من قوانين القسمين الخاص والعام ، ما زالت قادرة على معالجة الاشكالات . الا ان الاعتماد عليها في مواجهة الاشكاليات التي يثيرها الذكاء الاصطناعي المعقدة ، قد لا يكون كافياً ، فالعراق بحاجة الى اطار تشريعي متكامل يعالج في الميدان الرقمي موضوعات متعددة من اهمها :-
- حماية البيانات الشخصية
- تنظيم استخدام الانظمة الذكية في القطاعين العام والخاص
- تنظيم الادلة الرقمية والمخرجات الالكترونية .
- وضع الضوابط لاستخدام الذكاء الاصطناعي في المؤسسات الحكومية و القضائية .
ان الخطر كل الخطر لا في استخدام الذكاء الاصطناعي ، وانما في استخدامه دون اطار قانوني واضح ، فالتكــــــــــــنولوجيا غير المنــــــــــــــــــظمة قد تتحول من اداة تنمية الى مصدر للفوضى القانونية .
ومن المؤسف هنا ان نظامنا القانوني ما زال يتعامل مع الذكاء الاصطناعي بوصفه قضية مستقبلية ، في حين اصبح هذا الكيان جزءاً من الحاضر بالفعل ، لذلك فأن التاخر التشريعي لم يعد مجرد مشكلة قانونية ، بل اصبح مشكلة تنموية واقتصادية وامنية في الوقت الحاضر .
القضاء بين الحياد الخوارزمي و صون الوجدان الانساني
لابد وان تختتم هذه الاشكالات بتساؤل حول دور القضاء كحارس للعدالة ذلك ان استخدام الخوارزميات في تحليل الادلة او التنبؤ بمسارات القضايا قد يعزز الكفاءة الادارية للمحاكم ، لكنه في الوقت نفسه يحمل مخاطر جسيمة تتعلق ب “ الحياد الموهوم “ .
ان العدالة ليست مجرد عملية حسابية للبيانات ، بل هي تقدير انساني يعتمد على فهم السياق والتعاطف والظروف المحيطة ، وهي خصائص يستحيل على “ الكود البرمجي” محاكاتها . وهذا يستلزم ان يظل المبدأ القانوني “ مبدأ القاضي الطبيعي” هو الحاكم ، واعتبار الذكاء الاصطناعي مجرد اداة ارشادية خاضعة للرقابة القضائية مع ضمان ان الكلمة الاخيرة دائما للعقل البشري الذي يدرك روح القانون ومراميه .
قاضٍ متقــاعـد