ألم يحن الوقت لعودة الملكية؟
فيصل عبد الحسن
حين اتممت الخامسة من عمري أيقظتتي أمي صباح يوم من أكتوبر 1957وهي فرحة، وأخذت تساعدني على إرتداء سروال قصير خاكي اللون وقميص أبيض وكانت حائرة كيف تعقد الربطة الصفراء حول رقبتي، فأسرع أبي لمساعدتها. كان ذلك أول يوم لي في الروضة في لواء الديوانية، لم يكن أبي سوى موظف صغير في بلدية الديوانية، وقد تم تعيينه بعد ان حصل على راتبه التقاعدي كضابط صف في الجيش العراقي بعد خدمة عسكرية مجيدة امتدت لثلاثين عاما، وكنا نعيش حياة المترفين فقد كان راتب تقاعد والدي يضاف إلى راتبه من البلدية حسب سعر الذهب في ذلك الوقت وسعر العملة الحالية ما يساوي تقريبا عشرين مليون دينار عراقي، كما حسبته اليوم وانا أكتب مقالي؛ لأكون دقيقا فيما أكتبه للقارىء العزيز .
كان عام 1957هو العام الاخير من حكم النظام الملكي في العراق قبل حدوث الأنقلاب المشؤوم على النظام الملكي، ويتم خلاله قتل الملك الشاب “فيصل الثاني” وأسرته الكريمة في أبشع مذبحة في قصر الرحاب .
حين دخلت فناء الروضة في ذلك اليوم مع أبي أدهشتني كميات الألعاب وتنوعها في بهاء ساحة الروضة، رحبت بنا موظفة الاستقبال وأدخلتنا على المديرة الأتي كان اسمها سارة حسبما اتذكر اليوم، وقد كانت سيدة جليلة المنظر مؤدبة المنطق؛ “كان التوظيف في النظام الملكي حسب الأهلية والشهادة والخبرة العملية” .
عرفت من والدي قبل ليلة من مجيئنا لتسجيلي في الروضة أن عليّ ان أكون مؤدبا واحترم الكبير وأصادق أطفال الروضة، فهم كانوا أولاد النخبة من موظفي الديوانية، كأبن متصرف الديوانية وأبن مدير الشرطة وأولاد ضباط موقع الديوانية العسكري، ومعنا أيضا أولاد عمال ومعلمي المدارس الابتدائية في الديوانية.
كان الانتماء إلى الروضة مجانيا وكانت الروضة تقدم لنا الفطور والغداء وإلى اليوم أتذكر مذاق البطاطا المقلية، اللذيذ ولا يزال مذاقه بعد كل هذه السنوات تحت لساني، والدروس الفنية الممتعة، وأعمال الحراثة في أرض صغيرة في حديقة الروضة لزراعة الأزهار، وألعاب الحجلة وقيادة العربات الخشبية..عالم مدهش من الألعاب والألوان لا تزال صورها وخيالاتها لا تبارح ذاكرتي، وأخيرا حين تقترب ساعة الغداء نهرع الى مصطبة طويلة ونجلس على الجانبين مع معلماتنا ليقدم لنا الطعام: قطعة من اللحم والحساء والخضروات المطبوخة والقليل من الرز وقطعة بريد، لا تزال ساخنة، وبعد أن نفرغ من الغداء يُقدم لنا سائل دافئ كان حلوا ربما كان ذلك الكاكو المحلى مع الحليب، وعندما يحل وقت الظهيرة نستعد للقيلولة، فتقص علينا المعلمة من كتاب صغير معها مزين بصور أطفال سعداء وألعاب ملونة قصصا عن الفراشات والطيور والثعلب الماكر، فنغفوا واضعين رؤوسنا على المناضد في قيلولة قصيرة، وكذلك تفعل معلماتنا.
كانت الأيام محملة بالأمال والحياة جميلة بالجيران المحبين؛ فقراء وأغنياء عرب وأكراد بلوش ومسيحيون وصابئة؛ كنا مسلمين لا نعرف من هو الشيعي أو السني من جيراننا، وكان الجميع يشاركون في شعائر عاشوراء ومواكب التشابيه، خصوصا موكب تشييع سيدي موسى بن جعفر “الكاطم عليه أفصل سلام”.
كانت الحياة رخية، هادئة، الناس ناس حقيقون لا بشر مزيفون، وما أن جاءت جمهوريات الضحك على الذقون، وأحزاب الدم والمشانق والمجازر والسجون، حتى صارت الحياة مصارع للجبارين وصارت أموال العراق وخيراته، حرائق للحروب العبثية والسرقات المليارية، وصار الأخ يكره أخاه، والغني يغلق بابه دون الفقير، متقياً شره، وصغرت البيوت على ساكنيها، وشح الخير من النفوس، وغدت الحياة ظلمة في أوج اشتعال شمس الظهيرة!! ويبقى السؤال المحير ألم يحن الوقت لنكف عن منافقة حكومات جمهوريات فاشلة، فاسدة وحياة ضنك لن يحل مشاكلها سوى أن نعود إلى أنفسنا، ونستعيد ما فقدناه من إنسانيتنا ومستقبل أجيالنا القادمة بحماقة وإجرام الأحزاب المتنفذة؟ إلايكفي كل هذا الخراب الذي نعيشه، ألم يحن الوقت لعودة النظام الملكي الدستوري في العراق بانتخاب شعبي حر لرجل عراقي يكون ملكا للبلاد، لتستقر الحياة وتهدأ النفوس ونبقي على ما تبقى من ثروات بلدنا ومستقبل أبنائه ؟!