صورة العصابة التقليدية.. عندما ترتدي العصابات ربطات عنق
مجيد الكفائي
رجال وربما نساء يعملون خارج القانون يفرضون الإتاوات يهددون الناس ويجمعون الأموال بالقوة . ولهذا وضعت الدول أجهزة أمنية وقوانين لملاحقتهم لأن وجود العصابات يعني وجود سلطة موازية تنافس سلطة الدولة وتحاول فرض إرادتها خارج القانون . لكن هناك صورة أخرى للعصابة أكثر خطورة لأنها لا تقف خارج الدولة بل قد تختبئ داخل مؤسساتها .
هذه العصابة لا تحتاج إلى السلاح ولا إلى التهديد في الشوارع . إنها ترتدي بدلًا من السلاح بدلاتٍ رسمية وتحمل بدلًا من اسم العصابة صفةً وظيفية تمنحها سلطة ونفوذًا وتجلس خلف مكتب يحمل اسم الدولة .
حق قانوني
وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية . فالموظف الذي يستغل موقعه الوظيفي لطلب المال من المواطن لا يحتاج إلى تهديده بسلاح. يكفي أن يؤخر معاملته أو يعطل توقيعًا أو يفتح أمامه أبوابًا من التعقيدات الإدارية ثم يترك له منفذًا واحدًا: ادفع لكي تسير الأمور . وقد لا يُطلب المال بصورة مباشرة، بل يكفي أن يسمع المواطن عبارات من قبيل : لمعاملة تحتاج متابعة الموضوع يمكن حله هناك من يستطيع إنجازه الأمر يحتاج إلى مصاريف وبين هذه الكلمات يتحول الحق القانوني إلى خدمة مدفوعة وتتحول الوظيفة العامة من وسيلة لخدمة المواطن إلى وسيلة لاستغلال حاجته . الفساد الفردي موجود في كل لمجتمعات لكن الخطر يبدأ عندما يتحول الفساد إلى ثقافة أو منظومة . عندما يعرف المواطن مسبقًا أن معاملته لن تُنجز إلا إذا دفع وعندما يعرف الموظف أن هناك من يحميه وعندما يظهر الوسطاء في كل مكان فإننا لا نتحدث عن موظف فاسد فقط وإنما عن بيئة تسمح للفساد بأن يتحول إلى نظام غير مكتوب . وهنا يصبح الأمر قريبًا من عمل العصابات ولكن بصورة أكثر نعومة وخطورة .
وظيفة عامة
العصابة التقليدية تهدد المواطن لأنها تملك القوة خارج القانون أما العصابة التي تستغل الوظيفة العامة فتملك شيئًا أخطر:
سلطة القانون نفسه فهي تستطيع أن تجعل المعاملة تتوقف وأن تجعل المواطن يراجع الدائرة مرة بعد أخرى وأن تحوله من صاحب حق إلى شخص يبحث عن واسطة أو وسيط أو طريق مختصر .
وهذه هي اللحظة التي يبدأ فيها المواطن بفقدان ثقته بالدولة . فالمواطن لا يرى في النهاية الموظف وحده بل يرى المؤسسة التي يعمل فيها ويرى الختم الرسمي ويرى اسم الدولة على الباب . وإذا تعرض للابتزاز داخل مؤسسة حكومية فإنه لا يشعر بأنه تعرض لاستغلال شخص فحسب بل يشعر بأن الدولة نفسها أصبحت عاجزة عن حمايته . والأخطر أن هذه المنظومات لا تعيش بالمال وحده وإنما تعيش بالصمت . صمت المواطن خوفًا على مصالحه وصمت الموظف خوفًا على وظيفته وصمت المسؤول الذي قد لا يريد فتح ملف يجر وراءه ملفات أخرى . وهكذا تتسع الدائرة يدفع المواطن لأنه يريد إنهاء معاملته ويأخذ الموظف لأنه اعتاد على ذلك ويصمت الآخرون لأنهم لا يريدون المشاكل وفي النهاية يصبح الفساد أمرًا اعتياديًا لا يثير الدهشة . وهنا ينبغي أن نتوقف . هل المشكلة فعلًا في مبلغ يُدفع لإنجاز معاملة؟ أم أن المشكلة أكبر من ذلك بكثير؟المشكلة هي أن المال يصبح معيارًا للحصول على الحق وأن النفوذ يصبح أقوى من القانون وأن المواطن الذي لا يملك المال أو العلاقات يجد نفسه في آخر الصف مهما كان حقه واضـــحًا .وعندما يصبح الحصول على الحق مرتبطًا بالقدرة على الدفع فإننا لا نكون أمام فساد مالي فقط بل أمام فساد في معنى الدولة نفسها .
فالدولة وُجدت لكي تجعل القانون طريقًا للوصول إلى الحقوق لا لكي يتحول القانون إلى متاهة لا يخرج منها المواطن إلا بدفع المال أو البحث عن صاحب نفوذ . والدولة القوية ليست الدولة التي تملك أكبر عدد من الموظفين والمؤسسات وإنما الدولة التي يستطيع المواطن فيها أن يدخل إلى أي مؤسسة وهو مطمئن إلى أن القانون سيحميه لا أن يستغل الموظف حاجته . ولهذا فإن مواجهة هذا النوع من الفساد لا تكون فقط بمعاقبة موظف تم ضبطه متلبسًا بل بكسر البيئة التي تسمح بوجوده . ويبدأ ذلك من خلال.
تبسيط الإجراءات. رقمنة المعاملات.
تقليل الاتصال المباشر غير الضروري بين الموظف والمواطن حديد مدد زمنية واضحة لإنجاز المعاملات. منع ترك القرارات الإدارية رهينة لمزاج الموظف. مراقبة تضخم الثروات غير المبررة. حماية المبلغين عن الفساد. تشديد الرقابة على الأموال والمصالح التي تتولد من استغلال الوظيفة العامة. لكن كل هذه الإجراءات تبقى ناقصة إذا لم تستعد الدولة المعنى الحقيقي للوظيفة العامة .
فالوظيفة الحكومية ليست ملكًا للموظف ولا مصدرًا إضافيًا للدخل ولا سلطة شخصية على الناس . إنها تكليف لخدمة المجتمع وعندما يستخدم الموظف منصبه لجمع الأموال عنوة أو لتهديد الناس أو لابتزاز أصحاب المصالح فإنه لا يسيء إلى وظيفته فحسب بل يضرب ثقة المواطن بالدولة . العصابة التي تقف في الشارع تخيف المواطن من أفرادها . أما العصابة التي تستغل موقعًا حكوميًا فتجعله يخاف من مؤسسات الدولة نفسها . وهنا تكمن المفارقة الأخطر . أن يتحول الختم الرسمي إلى أداة ضغط والهوية الوظيفية إلى غطاء للابتزاز والمنصب إلى وسيلة لجمع المال والقانون إلى سلاح يستخدم ضد صاحب الحق بدل أن يكون حماية له .
والأخطر أن الأمر لا يتوقف عند ابتزاز مواطن في معاملة أو تحصيل منفعة غير مشروعة . فعندما تتشكل شبكات النفوذ داخل مؤسسات الدولة قد تتجاوز مهمتها جمع الأموال إلى التحكم في المناصب والقرارات والعقود والأراضي والمصالح العامة وقد تتحول مؤسسات الدولة نفسها إلى ساحة لتبادل المنافع وحماية أصحاب النفوذ . عندها لا تعود القضية قضية موظف فاسد هنا أو هناك بل تصبح قضية أخطر:
من يملك الدولة؟
هل تملك الدولة مؤسساتها وقوانينها وقراراتها؟ أم أن هناك من يستخدم مؤسساتها لتحقيق مصالحه الخاصة ثم يحتمي بالمنصب والنفوذ عندما يُسأل؟ وحين يصل الأمر إلى مطاردة أصحاب الحقوق أو إلصاق التهم بمن يتحدث عن الفساد أو استخدام السلطة لإسكات من يطالب بحقه فإن الفساد يكون قد تجاوز مرحلة السرقة إلى مرحلة مصادرة الحق في الاعتراض نفسه . وهذه أخطر مراحل الفساد لأن الفاسد لم يعد يسرق المال فقط بل يحاول أن يسرق قدرة المجتمع على كشف السرقة . لذلك فإن مواجهة الفساد لا تعني فقط أن نمسك بموظف وضع المال في جيبه . المعركة الحقيقية هي ألا تصبح الدولة نفسها غطاءً للفاسدين . فالعصابة خارج الدولة يمكن ملاحقتها .
أما العصابة التي تختبئ داخل مؤسسات الدولة وتحمل هوياتها وتستخدم أختامها وتستفيد من نفوذها فمواجهتها أصعب بكثير لأنها لا تواجه الدولة من الخارج بل تحاول أن تتحدث باسمها . العصابة التقليدية تحمل السلاح . أما العصابة التي ترتدي ربطة عنق فتحمل الختم الرسمي . والأولى تخيف المواطن في الشارع . أما الثانية فقد تجعله يخاف من الدولة نفسها وعندما ترتدي العصابة ربطة عنق وتحمل هوية جهاز من أجهزة الدولة وتجلس خلف مكتب يحمل اسم الدولة فإن الخطر لم يعد في العصابة وحدها بل في أن تصبح الدولة من حيث لا تشعر، غطاءً لمن يفترض أنها وُجدت لمحاربته