تأمّلات في صورة جمعتني وشاعر العرب الأكبر
یوم رنّت القلوب إلى متنبي العصر
ریاض شابا
ظلَّ الجواهري الكبیر «یعیش» معي زمنا طویلاً آثناء سنيّ حیاته وبعدها داخل صورة وحیدة جمعتني به. تریّثت وترددت في أمر نشرها
لأسباب بعضها خارج عن إرادتي، لكن أهمها بالتأكيد أن الأمر يتعلق برمز وطني تاريخي أنجبه «عُراق» يعزّ عليه أن تُكسر عينُهُ. وتبقی قلوب الملایین تخفقُ حباً له، وتقف إجلالاً لشاعر العرب الأكبر. أعود الى الصورة من دون صور كثیرة بین الحین والآخر، وكأنني اتفقد كنزا أخفیه داخل صندوق سري اخشی ان یراه احد، ولن اكشف عن مكنوناته حتی اجد المكان والزمان المناسبین لذلك. اتأملها جیدا واجول بناظري في تضاريسها كما لو أنني اراها للمرة الأولی، بلهفة تشبه ما انتابني في تلك الدقائق من ليلة صیف بغدادي سبعیني هادئ، فاستعيد عملاقا ملأ شدوه الدُنّيا ولُقَب ب»متنتي العصر»، يقدّم جائزة تكریم لصحفي شاب دون الثلاثين، مسكونٍ بمشاعر هي مزيج من زهو سیلازمه العمر كله، وارتباك سرعان ما تلاشى أمام بساطة لا يزدان بها إلا العظماء . تمضي السنون والعقود مسرعة. أكثر من نصف قرن من الانتظار. أحداث، تحولات ومتغيرات. حروب وحصار وقطيعة طويلة مع الصحافة، ثم هجرة لم تكن في الحسبان. زمن مخضب بالخوف والقلق، وفوضی سرقت مني حتى الصور التي كنت محظوظاً في لملمة بعضها بعد عشرة أعوام من إقامتي في كندا، تزامنًا مع استعادة ذاكرة مبعثرة حققها فضاء أزرق، أتاح لي فرصة نشر الكثير من الخواطر والذكریات، وفي مقدمتها سطور عن لحظة لن تتكرر ولقاء لم یكن عابرا، بل صورة نشرتها للمرة الأولى في تموز 2024 وتحولت إلى أيقونة أعتز بها ما حييت مع «صنّاجة العرب في القرن العشرین» محمد مهدي الجواهري صاحب «العينية» و»تنويمة الجياع» الذي ولد في السادس والعشرین من تموز 1899, وودع دنیانا الی عالم الخلود في السابع والعشرين من الشهر ذاته عام 1997، وعينه لمّا تزل على «دجلة الخير ام البساتین».
أحالتني إلى أسماء وسنواتٍ ومدنٍ .. حكاية صورة مع الجواهري الكبير
ترصَّعَتْ سماءُ بغدادَ بنجوم سبعینیة
ليلةً خَفَقَ قلبُ (دجلةَ الخيرِ)
“مبروك …. رياض“..
لم تميز مسامعي سواهما وسطَ جملةٍ قصيرة قالها الرجل ذو الهيئة المعروفة لعشرات من سنين عمره. أما فيما بينهما فقد ذهب أدراج ضجيج اكتظَّ بحبٍ من نوع خاص، تلقّفته أضواء تعانق أشجاراً سامقة بدت مثل نجوم ترصِّع عتمة السماء في ذلك الليل السبعيني من ليالي بغداد.*
قلب دجلة
لكن روحي، ومن حيث لا أدري أقحمت كلمة “الخير” وسط كلمات الجواهري الكبير، في مناسبة كان قلب دجلة يخفق قريباً منها، واثقاً، حانياً، واعداً، مثل الشاعر الذي تغنَّى بحبِّه.
وبالقرب منا على المسرح كان يقف زهير الدجيلي رئيس تحرير مجلة ” الاذاعة والتلفزيون” مغتبطاً بقراءة أسماء المُكَرَّمين.
ومن دون أنْ أدري أيضاً استرجعتُ صوراً حكاها خالي الدكتور جميل بوداغ الذي أقام طويلاً في “ألمانيا الديموقراطية”، حيث كان يرافقه مترجما لبعض الوقت عندما تحتفي “برلين الشرقية” بضيفها الأثير في سنوات من حياته باوروبا.
ومرَّة أخبرتُ نجلَهُ “فرات” عن هذه الصورة ونحن نقطع الأجواء نحو العاصمة الزيمبابوية “هراري” عام 1986 لتغطية القمة الثامنة لدول عدم الانحياز. سَعُدَ كثيراً، ثم لمحتُ بريقا في عينيه، يشبه لمعان تلك الليلة..
تذكرت الصورة أيضاً وأنا أصغي بشغف لنتاج صديقي الشاعر والموسيقي سيروان ياملكي المقيم في مدينتي”فانكوفر” والذي لحن القصيدة في عمل فني مصور في العام 2023، يشبه حلماً عراقياً جميلاً، سبق وعشناه مع الفنان الراحل فؤاد سالم. أعدُ نفسي محظوظاً كون هذه الصورة واحدة من بضع عشرات بعثها اليَّ أصحابٌ بعد خمسة عشر عاماً من إقامتي في كندا.
مئات الصور
وإنني لا أخطط عادة لنشر ما بقي سالماً من بين مئات الصور التي دونت اياماً من عمر جرى سريعاً رغم وطاة كل ما أحاط به، بل أترك الأمر للمناسبة نفسها.. ومناسبة اليوم هي ميلاد الجواهري في 26 تموز 1899.
*وفدٌ عراقي رأسه صالح مهدي عمّاش، سنة 1969، أقنع الجواهري بالعودة إلى بغداد، وتركِ منفاه في “براغ” عاصمة جيكوسلوفاكيا سابقاً، فأقيم له حفلٌ في صدر القناة، أنشدَ فيه رائعَتَه (أرِحْ ركابَكَ من أين ومن عثرٍ ….كفاكَ جيلانِ محمولاً على خطرِ).