الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
حين صار الجسدُ مسرحاً للحياة

بواسطة azzaman

حين صار الجسدُ مسرحاً للحياة

رحلة قصيرة في الزمن… ثقيلة في الروح

عباس هاشم الحكيم

 

لم أكن أعرف وأنا أستعد صباح الثالث والعشرين من تموز عام 2026 لموعدي الدوري في المستشفى أنني كنت أفتح الصفحة الأولى من فصل لم أكتبه بإرادتي ولم أختر شخصياته ولم أحدد نهايته. ذهبت كما يذهب المرء إلى موعد عابر يحمل في جيبه بعض الأسئلة وفي رأسه كثيراً من الاعتياد وفي قلبه ثقة بأن الأيام ستمضي كما مضت دائماً. كنت أظن أن الأمر لن يتجاوز فحصاً سريعاً وبعض النصائح الطبية التي سرعان ما تبتلعها مشاغل الحياة.

لكن الحياة أحياناً لا تستأذن الكاتب حين تغيّر موضوع الحكاية. كان ذلك اليوم عتبةً.

ومن خلف العتبة كان ينتظرني شيء واحد:

الانتظار.

ويا لها من كلمة صغيرة حين تُكتب عظيمة حين تُعاش.

منذ ذلك اليوم بدأ جسدي يتحدث بلغة لم أعتدها.

أرقام على شاشات .

صور وتقارير .

أسئلة طبية .

ووجوه هادئة تخفي خلف هدوئها شيئاً ثقيلاً.

وأنا الكاتب الذي اعتاد أن يختار بدايات حكاياته ونهاياتها وجدت نفسي للمرة الأولى داخل حكاية لا أملك منها سوى أن أكون بطلها.

كان عليّ أن أنتظر. وأصعب ما في المرض ليس الألم وحده بل تلك المسافة الغامضة بين أن تعرف أنك تحتاج إلى العلاج وبين أن تصل إلى اللحظة التي يبدأ فيها العلاج .في تلك المسافة يتكاثر الخوف. تستيقظ في الليل على فكرة وتنام على سؤال . وتفتح عينيك في الصباح وكأنك تبحث عن جسدك أولاً قبل أن تبحث عن النهار . هل سيكون الغد كما كان الأمس؟

هل سيبقى القلب وفياً؟

هل يحتمل الجسد؟

هل أعود إلى حياتي القديمة؟

وهل تعود الحياة نفسها إليّ أم أن المرض سيترك في داخلي شيئاً لا يراه أحد؟

كانت الأسئلة أكثر من الأجوبة .وكان الصمت أحياناً أعلى من كل الأصوات .

ثم جاءت الحقيقة بلا استعارة ولا مجاملة :

أربعة شرايين تحتاج إلى جراحة قلب مفتوح .

عبارة قصيرة حين تُقال لكنها حين تستقر في عقل صاحبها تتحول إلى جبل. كنت أعرف أن الطب بلغ من التقدم ما يجعل المستحيل ممكناً وأنني بين أيدي أطباء يعرفون مهنتهم . لكن الإنسان مهما بلغت ثقته بالعلم يبقى إنساناً حين يقترب من غرفة العمليات

يخاف. ليس من الموت وحده بل من ذلك السؤال الخفي :

هل سأستيقظ الشخص نفسه؟

بدأت أفكر في أشياء كثيرة .

في كلمات لم أقلها .

في أشخاص أحببتهم .

في أشياء أجلتها إلى الغد .

في مشاريع قلت عنها : غداً.

وفي ذلك الغد الذي كنا نظنه ملكنا ثم اكتشفنا أنه لم يكن ملك أحد . وخلال أيام الانتظار بدأت أكتشف أن المرض لا يفحص الجسد وحده. إنه يفحص ما حوله أيضاً . كنت أظن أن الإنسان يعرف الناس بطول الصحبة وكثرة المواقف وتراكم الكلمات. لكن المحنة قد تختصر سنوات كاملة في موقف واحد . فجأة تتساقط المسافات التي صنعتها المجاملات وتبقى الوجوه كما هي . هناك من أخذ من وقتك وصحتك وقلبك الكثير ثم بدا مرضك بالنسبة إليه خبراً عابراً . وهناك من كان قريباً منك في المسافة بعيداً في الروح . وهناك من أكثر الحديث عن الوفاء حتى جاءت لحظة احتاج فيها الوفاء إلى موقف لا إلى كلام .

وفي الجهة الأخرى ظهرت وجوه لم أكن أراها بهذا الوضوح من قبل .أشخاص قلائل . لكن حضورهم كان أكبر من عددهم .

يسألون .

يتابعون .

يدعون .

ويطمئنون .

كلمة قصيرة منهم كانت تصلني في وقت تصبح فيه الكلمة أثمن من الهدية .

لم يكن بوسعهم دخول غرفة العمليات ولا إيقاف الألم ولا تغيير نتيجة الفحوص . لكنهم فعلوا شيئاً أكثر بساطة وربما أكثر إنسانية :

لم يتركوني وحيداً.

وهنا بدأت أفهم أن المرض لا يكشف حالة القلب وحده بل يكشف أيضاً القلوب المحيطة به.كان الأطباء يستعدون لإصلاح أربعة شرايين في القلب بينما كانت المحنة تصلح في داخلي شيئاً آخر : صورة الناس .

ثم جاء يوم العملية.

مدينة لوند .

المستشفى .

الممرات .

الضوء الأبيض .

الوجوه التي تتحرك بهدوء مهني . والسرير الذي اقترب بي من اللحظة التي كنت أخشاها وأنتظرها في آن واحد . هناك شعرت للمرة الأولى أن الإنسان يمكن أن يصبح صغيراً جداً أمام جسده . فالكاتب الذي ملأ الصفحات بالكلمات لم يعد يملك في تلك اللحظة إلا الصمت . والرجل الذي اعتاد أن يخطط للأيام القادمة لم يعد يملك إلا هذه اللحظة .

والإنسان الذي طالما ظن أن قلبه مجرد عضو في صدره، اكتشف أنه يحمل فيه أكثر مما كان يظن .

أغمضت عيني .

ولم تكن آخر الأشياء التي حملتها معي إلى تلك اللحظة التقارير الطبية ولا أسماء الأدوية ولا أصوات الأجهزة . كانت وجوهاً .

وجوه من أحببتهم .

وجوه من صدقوا معي .

ووجوهاً أخرى مرّت في حياتي ثم اكتشفت أنني كنت أرى فيها أكثر مما كان فيها .

ثم انطفأ المشهد .

لا أعرف كم مرّ من الوقت .

فالوقت في غرفة العمليات لا يشبه الوقت خارجها .

هناك لا ساعات ولا صباحات ولا مساءات . هناك حياة معلقة بين رحمة الله ومهارة الطبيب .

ثم عدت .

لكنني لم أعد كما ذهبت .

كنت أعرف أنني نجوت، لكن النجاة ليست دائماً لحظة فرح صاخبة . أحياناً تكون مجرد نفس .

مجرد فتح العينين .

مجرد صوت يقول لك :

انتهت العملية .

لكن الحكاية لم تكن قد انتهت . كانت تلك بداية فصل آخر فصل ما بعد العملية حيث يتعلم الجسد كيف يعود وتبدأ الروح في مراجعة ما حدث . وفي فترة النقاهة كان جسدي يتعافى ببطء بينما كانت ذاكرتي تستعيد سنوات كاملة .

من كان هنا ؟

من سأل ؟

من اختفى ؟

من أرسل كلمة ؟

من انتظر خبراً ؟

ومن كان حضوره أكبر من المسافة ؟

وجدت نفسي أعيد قراءة بعض العلاقات كما لو كنت أفتح كتاباً قديماً للمرة الأولى . واكتشفت أن المرض لا يأخذ من الإنسان صحته فقط . أحياناً يأخذ منه وهماً ظل يحمله عن الآخرين .

وفي تلك الأيام تذكرت معنى عميقاً من كلام منسوب إلى الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام :

(لا تستوحشوا طريقَ الحقِّ لِقِلّةِ سالكيه ).

فقلت في نفسي :

ربما لا تكون الوحشة دائماً في الطريق .ربما تكون الوحشة في أن تعرف الحقيقة ثم تمضي فيها وحدك . لكن الوحدة ليست دائماً هزيمة . أحياناً تكون ثمناً للنقاء ...

 


مشاهدات 29
الكاتب عباس هاشم الحكيم
أضيف 2026/08/22 - 1:44 AM
آخر تحديث 2026/08/22 - 2:31 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 207 الشهر 26004 الكلي 16115708
الوقت الآن
السبت 2026/8/22 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير