الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
التدريب .. حين يتحول إلى ثقافة مؤسسية لحماية حقوق الإنسان

بواسطة azzaman

التدريب .. حين يتحول إلى ثقافة مؤسسية لحماية حقوق الإنسان/الجزء الثالث

حيدر جاسب عريبي البهادلي 

 

باحث دكتوراه في القانون العام – مدرب مختص في الشأن الدولي  و حقوق الإنسان / العراق

بعد أن تناولنا في الجزئين السابقين أهمية التدريب بوصفه الضمانة العملية لتفعيل حقوق الإنسان ، و دوره في بناء مؤسسات أكثر كفاءة و نزاهة ، تبرز اليوم قضية لا تقل أهمية  و هي : كيف يمكن أن يتحول التدريب من نشاط موسمي إلى ثقافة مؤسية مستدامة..؟؟

إن كثيرًا من المؤسسات تنظم عشرات الدورات التدريبية سنويًا ، و تنفق عليها موارد مالية و بشرية كبيرة ، لكنها لا تحقق التغيير المنشود في الأداء..!!

و السبب في ذلك أن التدريب غالبًا ما يُنظر إليه بإعتباره حدثًا ينتهي بإنتهاء البرنامج ، لا عملية مؤسية مستمرة تبدأ بتحديد الإحتياجات ، و تمر بالتنفيذ ولا تنتهي إلا بقياس الأثر و إدماج نتائج التدريب في السياسات الإدارية .

و لهذا لم تعد المؤسسات الحديثة تقيس نجاح برامجها بعدد المشاركين أو الشهادات الممنوحة ، و إنما بقدرتها على إحداث تغيير حقي في جود الخدمات ، و مستوى الإلتزام بالقانون  و إنخفاض الشكاوى و تحسن كفاءة الأداء ،  و إرتفاع ثقة المجتمع بالمؤسسة.

و في مجال حقوق الإنسان .. يصبح هذا الأمر أكثر أهمية ، لأن الغاية ليست زيادة المعلومات القانونية لدى الموظف ، و إنما تغيير طريقة إتخاذ القرار الإداري..!!

فالموظف الذي يتعامل مع المواطن بروح القانون ، يختلف عن الموظف الذي يكتفي بتطبيق النصوص بصورة جامدة..و الأول هو نتاج ثقافة مؤسسية ، لا مجرد دورة تدريبية .

و من هنا .. فإن بناء ثقافة حقوق الإنسان داخل المؤسسات ، يتطلب أن يصبح التدريب جزءًا من منظومة الإدارة ، و أن يرتبط بالتقييم الوظيفي و التطوير المهني و الترقية و تخطيط الموارد البشرية ..!!

فكل موظف ينبغي أن يمتلك الحد الأدنى من المعرفة بالحقوق الأساسية ، المرتبطة بطبيعة عمله ، و أن يخضع بصورة دورية لبرامج تطوير تتناسب مع المتغيرات التشريعية و الإدارية .

كما أن نجاح التدريب يعتمد على إرتباطه بالواقع العملي .

فالدورات التي تعتمد على المحاضرات التقليدية وحدها ، لم تعد كافية في ظل التعقيدات التي تواجه الإدارة العامة.

أما التدريب القائم على دراسة الحالات الواقعية و المحاكاة و تحليل القرارات و التدريب التفاعلي ، فإنه يترك أثرًا أعمق و أكثر إستدامة ، لأنه ينقل المتدرب من مرحلة المعرفة إلى مرحلة الممارسة .

ولا يقتصر الأمر على الموظفين المدنيين ، بل يمتد إلى القضاة و أعضاء الإدعاء العام و أجهزة إنفاذ القانون  و المعلمين و الإعلاميين و العاملين في القطاع الصحي .

 إذ إن لكل فئة دورًا مباشرًا في حماية حقوق الإنسان ، و كل قرار يصدر عنها قد يعزز هذه الحقوق أو ينتقص منها ..!!

كما أن التطور الرقمي و الإعتماد المتزايد على الذكاء الإصطناعي ، يفرضان تحديات جديدة تستوجب تحديث محتوى التدريب باستمرار .

فحماية الخصوصية و أمن البيانات و عدم التمييز في إستخدام التقنيات الحديثة ، أصبحت جميعها موضوعات لا يمكن فصلها عن منظومة حقوق الإنسان ، و هو ما يتطلب إعداد كوادر تمتلك المعرفة القانونية و القدرة التقنية في آن واحد..؟؟

و من المؤشرات المهمة على نضج المؤسسات ، قدرتها على التعلم من أخطائها ، فكل شكوى أو ملاحظة أو حالة إنتهاك ينبغي أن تتحول إلى فرصة لتطوير البرامج التدريبية ، و ليس إلى مجرد ملف يُغلق بعد انتهاء التحقيق..!!

فالمؤسسة التي تتعلم بإستمرار هي المؤسسة الأقدر على منع تكرار الأخطاء ، و تحسين جودة خدماتها ، و تعزيز ثقة المجتمع بها .

و تؤكد التجارب الدولية أن المؤسسات التي تجعل التدريب جزءًا من ثقافتها التنظيمية ، تكون أكثر قدرة على التكيف مع التغيرات ، و أكثر إستعدادًا لإدارة الأزمات ، و الإسرع في تطوير خدماتها..لأن رأس مالها الحقيقي ليس في المباني أو التقنيات ، و إنما في الإنسان المؤهل القادر على إتخاذ القرار السليم في الوقت المناسب .

و في سلطنة عُمان..حيث تتواصل جهود تطوير الجهاز الإداري للدولة ، و تعزيز جودة الخدمات العامة ، فإن الإستثمار في التدريب الحقوقي يمثل رافدًا مهمًا لدعم هذه المسيرة ، و يسهم في ترسيخ مبادئ سيادة القانون ، و رفع كفاءة الأداء المؤسسي ، و تعزيز ثقة المجتمع بالمؤسسات الوطنية ، بما ينسجم مع النهج العُماني في بناء الإنسان ، بوصفه محور التنمية و أساس  إستدامتها..!!

إن ثقافة حقوق الإنسان لا تُفرض بقرار إداري ولا تُبنى بمحاضرة واحدة ، و إنما تنمو بالتدريب المستمر ، و القيادة الواعية و القدوة الحسنة و التقييم الموضوعي و المراجعة الدائمة .

و عندما يصبح التعلم المؤسسي جزءًا من هوية المؤسسة ، يتحول إحترام حقوق الإنسان من التزام قانوني ، إلى قيمة راسخة تحكم الأداء اليومي..!!

فالدول التي تريد مستقبلًا أكثر إستقرارًا و عدالة لا يكفيها أن تكتب أفضل القوانين ، بل عليها أن تبني الإنسان الأفضل القادر على تنفيذها .

و عندها فقط يصبح التدريب ليس مجرد وسيلة للتطوير ، بل ثقافة تصنع المؤسسات ، و تحمي الحقوق و ترسخ القانون ..!!


مشاهدات 60
الكاتب حيدر جاسب عريبي البهادلي 
أضيف 2026/08/12 - 3:24 PM
آخر تحديث 2026/08/13 - 12:55 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 56 الشهر 13194 الكلي 16102898
الوقت الآن
الخميس 2026/8/13 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير