الإصلاح من إدارة الأزمات إلى بناء المستقبل (2)
عندما تتحوّل الدولة إلى ربّ عمل
سامي العسكري
قبل أن نتحدث عن أعداد الموظفين في الدولة العراقية، وعن الرواتب التي أصبحت تشكل عبئاً متزايداً على الموازنة العامة، ربما نحتاج أولاً إلى إعادة النظر في مفهوم يبدو بسيطاً، لكنه اختلط علينا خلال عقود طويلة:
ما وظيفة الدولة أصلاً؟
الدولة ليست مؤسسة لتشغيل المواطنين، وليست سوقاً للعمل، وليست الجهة التي يفترض أن تستوعب كل من يبحث عن وظيفة.
وظيفة الدولة أن تقدم لمواطنيها الخدمات التي تقع على عاتقها، وأن تحمي حقوقهم، وتوفر الأمن، وتدير المرافق العامة، وتبني البنية التحتية، وتنظم الحياة الاقتصادية والاجتماعية، وتقوم بالمهام التي لا يمكن أن تؤدى إلا من خلال مؤسسات الدولة.
ولكي تنجز الدولة هذه المهام، فإنها تحتاج إلى موظفين. لكنها تحتاج إليهم بقدر حاجتها إلى العمل الذي يؤدونه، لا بقدر عدد المواطنين الذين يبحثون عن وظيفة.
فالأصل أن تحدد الدولة أولاً ما تحتاج إليه من مؤسسات ومهام، ثم تحدد حجم العمل المطلوب، وبعد ذلك تحدد عدد العاملين القادرين على إنجاز ذلك العمل بكفاءة. أما إذا بدأ الأمر من السؤال: كم شخصاً نستطيع أن نوظف؟ فإننا سنضطر في النهاية إلى البحث عن مواقع لهم داخل مؤسسات الدولة، سواء كانت تلك المؤسسات تحتاج إليهم أم لا.
وعندها تنقلب المعادلة: بدلاً من أن يكون الموظف نتيجة لحاجة المؤسسة، تصبح المؤسسة، في بعض الأحيان، وسيلة لاستيعاب الموظف.
وهذا أحد المفاتيح المهمة لفهم أزمة الوظيفة العامة في العراق.
لكن كيف وصلنا إلى هذا التصور؟
لا يمكن الإجابة عن هذا السؤال من خلال السنوات الأخيرة وحدها، ولا من خلال حكومة بعينها. فقد ساهمت تجربة العراق خلال نحو نصف قرن في ترسيخ مفهوم أصبح مع الزمن جزءاً من الثقافة الاقتصادية والاجتماعية للمجتمع:
الدولة هي رب العمل الأكبر، والوظيفة الحكومية هي الطريق الأكثر أمناً إلى العمل والاستقرار.
فمع سياسات التعيين المركزي، وتوسع ملكية الدولة للمصانع والمؤسسات والمنشآت الاقتصادية، وخصوصاً بعد موجات التأميم، أصبحت شرائح واسعة من قوة العمل مرتبطة بالدولة بصورة مباشرة.
لم تعد الدولة مجرد جهة تضع القواعد وتنظم الاقتصاد، وإنما أصبحت في قطاعات واسعة مالكاً ومشغلاً ومقدماً للخدمات، وفي الوقت نفسه الجهة التي توفر الوظائف.
ومع مرور الزمن، لم يبق الأمر مجرد سياسة اقتصادية أو إدارية، بل تحول إلى ثقافة اجتماعية راسخة.
نشأ جيل يرى في الوظيفة الحكومية عنواناً للاستقرار، وفي الدولة رب العمل الذي يمكن أن يلجأ إليه الإنسان عندما يبحث عن مصدر رزقه. وأصبحت الوظيفة الحكومية، بالنسبة إلى كثير من الأسر، المسار الطبيعي الذي ينبغي أن يسلكه الأبناء بعد الدراسة.
وهنا تكمن خطورة التراكم التاريخي.
فحين يصبح الاعتقاد بأن الدولة هي رب العمل أمراً راسخاً، فإن الشاب الذي يدخل سوق العمل ولا يجد وظيفة حكومية قد يشعر بأن الدولة لم توفر له حقه في العمل، حتى لو كانت هناك فرص أخرى يمكن أن يوفرها الاقتصاد خارج الجهاز الحكومي.
وبذلك انتقلنا تدريجياً من مفهوم الدولة التي توفر بيئة للعمل إلى مفهوم الدولة التي توفر العمل نفسه.
والفرق بين المفهومين كبير.
نشاط اقتصادي
صحيح أن الدولة مسؤولة، دستورياً وسياسياً، عن العمل على توفير فرص العمل للمواطنين، لكن توفير فرص العمل لا يعني أن تتولى الدولة توظيف المواطنين جميعاً في مؤسساتها.
فمسؤولية الدولة الأوسع تتمثل في خلق البيئة التي تسمح للاقتصاد بأن ينتج فرص العمل: تشجيع الاستثمار، وحماية النشاط الاقتصادي، وتطوير البنية التحتية، ودعم المشاريع والإنتاج، وتهيئة التعليم والتدريب بما يتناسب مع احتياجات سوق العمل، وفتح المجال أمام القطاع الخاص ليكون شريكاً حقيقياً في الاقتصاد الوطني.
أما أن تتحول مؤسسات الدولة إلى سوق مفتوح لاستيعاب الباحثين عن العمل، فذلك يعني أننا نحمّل الدولة وظيفة ليست من وظائفها الأساسية، ونحوّل التوظيف من وسيلة لإنجاز مهام الدولة إلى غاية قائمة بذاتها.
وهذا ليس اتهاماً للمواطن الذي يبحث عن عمل.
فمن الطبيعي أن يبحث الإنسان عن مصدر رزقه، ومن الطبيعي أن يسعى إلى وظيفة مستقرة تؤمن له ولأسرته حياة كريمة. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول حق المواطن في فرصة عمل إلى اعتقاد بأن الدولة مطالبة بأن توفر له وظيفة حكومية تحديداً.
وحين يترسخ هذا الاعتقاد في المجتمع، يصبح الضغط على الدولة للتعيين أمراً مفهوماً من الناحية الاجتماعية، حتى وإن كان غير قابل للاستمرار من الناحية الاقتصادية.
ومن هنا بدأت تتشكل دائرة يصعب كسرها:
اقتصاد لا يوفر فرص عمل كافية، ومواطن يبحث عن الأمان والاستقرار، ودولة تستجيب بالتوظيف، وجهاز حكومي يتضخم، وموازنة تتحمل أعباء متزايدة من الرواتب والتقاعد، فتتراجع قدرتها على توجيه مواردها إلى الاستثمار والإنتاج والخدمات، فيضعف الاقتصاد المنتج أكثر، ويزداد اعتماد المواطنين على الوظيفة الحكومية.
وهكذا تتحول محاولة معالجة مشكلة البطالة من خلال التوظيف الحكومي إلى سبب في تعميق مشكلة أخرى.
والأخطر أن هذه الدائرة قد تخفي المشكلة الحقيقية لبعض الوقت. فالتعيين الحكومي يستطيع أن يوفر دخلاً للأسرة ويخفف البطالة في المدى القصير، لكنه لا يخلق بالضرورة قيمة اقتصادية جديدة. وإذا لم تكن هناك حاجة فعلية إلى الموظف الذي جرى تعيينه، فإن الدولة تكون قد أضافت التزاماً مالياً مستمراً من دون أن تضيف بالضرورة خدمة أو إنتاجاً بالمستوى نفسه.
وهنا نصل إلى سؤال جوهري:
هل كل زيادة في أعداد العاملين داخل الدولة تعني بالضرورة زيادة في قدرتها على تقديم الخدمات؟
الإجابة: ليس بالضرورة.
فالمؤسسة الحكومية ينبغي أن تبنى على أساس الوظيفة التي تؤديها، وحجم العمل الذي تنجزه، ومستوى الخدمة التي تقدمها للمواطن. فإذا تضاعف عدد العاملين فيها من دون أن تتضاعف المهام أو تتحسن الخدمة، فإننا أمام تضخم في الجهاز الإداري، لا أمام نمو حقيقي في قدرة الدولة.
وهذا يقودنا إلى قضية أخرى لا تقل أهمية: هل راجعت الدولة العراقية باستمرار حجم مؤسساتها ومهامها وحاجتها الفعلية إلى العاملين؟
فقد تنشأ مؤسسة لحاجة معينة، ثم تتغير الظروف التي أنشئت من أجلها، بينما تبقى المؤسسة وملاكها وموازناتها قائمة. وقد تنشأ دائرة جديدة لأداء مهمة موجودة أصلاً في دائرة أخرى، أو تتوسع مؤسسة في عدد العاملين فيها استجابة لضغوط اجتماعية أو سياسية، من دون أن يواكب ذلك توسع مماثل في المهام أو الإنتاج.
وبمرور الوقت، لا يعود السؤال: ماذا تحتاج الدولة لكي تؤدي وظائفها؟
بل يصبح السؤال: كيف نستوعب الأعداد الموجودة داخل مؤسساتها؟
وهنا تكون المشكلة قد انتقلت من مجرد تضخم في أعداد الموظفين إلى خلل في بنية الدولة نفسها.
لكن هذه البنية لم تتشكل بمعزل عن الاقتصاد والتعليم والمجتمع.
وظيفة عامة
فحين يضعف القطاع الخاص، ويضيق نطاق الاستثمار والإنتاج، ولا يجد الداخلون الجدد إلى سوق العمل فرصاً كافية، فإن الدولة تصبح تلقائياً الوجهة الأكثر جذباً لهم. وحين يخرج نظام التعليم أعداداً كبيرة من الخريجين من دون ارتباط كافٍ بين تخصصاتهم واحتياجات الاقتصاد، يصبح الضغط على الدولة أكبر.
وهنا يتضح أن أزمة الوظيفة العامة ليست أزمة إدارية منفصلة.
إنها تقع عند تقاطع عدة ملفات: الدولة، والاقتصاد، والتعليم، وسوق العمل، والثقافة الاجتماعية.
ولهذا فإن معالجة تضخم الجهاز الحكومي بمجرد إيقاف التعيينات لن تكون حلاً كافياً. فقد نغلق باب التعيين، لكننا سنبقي الأسباب التي تدفع الناس إلى الوقوف أمام هذا الباب.
كما أن تقليص أعداد الموظفين، إذا جرى التعامل معه باعتباره حلاً منفرداً، قد ينقل المشكلة من الموازنة إلى المجتمع من دون أن يعالج جذورها.
المطلوب في النهاية ليس دولة أقل عدداً من الموظفين فحسب، وإنما دولة تعرف بدقة ماذا تريد أن تفعل، وما المؤسسات التي تحتاج إليها، وما حجم العمل المطلوب، وكم تحتاج من العاملين لإنجاز مهامها بكفاءة.
وفي الوقت نفسه، نحتاج إلى اقتصاد قادر على توفير فرص العمل خارج الجهاز الحكومي، وإلى تعليم يهيئ أبناءنا لذلك الاقتصاد، وإلى ثقافة اجتماعية لا تنظر إلى الوظيفة الحكومية باعتبارها الطريق الوحيد إلى الاستقرار.
لقد استغرق بناء هذا التصور عقوداً طويلة، ولذلك فإن تصحيحه لن يكون سريعاً.
لكن الخطوة الأولى تبدأ من الاعتراف بأن الدولة ليست رب العمل الوحيد، وأن حق المواطن في العمل لا يعني حقه في التعيين داخل مؤسسات الدولة، فالوظيفة العامة موقع وظيفي تفرضه حاجة المؤسسة إلى من يؤدي مهمة محددة.
ومن هنا يمكن أن نبدأ في الحلقات المقبلة بتفكيك هذه المنظومة إلى عناصرها: كيف أضعفنا القطاع الخاص؟ وكيف ساهم نظامنا التعليمي في زيادة الضغط على الوظيفة الحكومية؟ وكيف تضخمت مؤسسات الدولة وملاكاتها؟ وكيف دخلت الاعتبارات السياسية والاجتماعية على خط التعيين؟
فكل واحد من هذه الأسئلة يمثل جزءاً من القصة.
وإذا أردنا إصلاح الدولة، فعلينا أولاً أن نفهم القصة كاملة.
كاتب عراقي مهتم بقضايا الدولة