الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
بلاغة كرة القدم

بواسطة azzaman

بلاغة كرة القدم

حيدر سعيد

 

منذ ذلك الوعي المستجد، كنت أنوي إعادة صياغة المقال السالف، ليحمل عنوان «بلاغة كرة القدم: إعادة كتابة».

ظل هذا المشروع على الرف. ولكنني، بدلًا من إعادة صياغته، أنجزتُ نصًّا آخر.

في العام 2022، وعشيةَ تنظيم بطولة كأس العالم في قطر، حيث حلّ بجوارنا الحدثُ الرياضي الأكبر في العالم، فكّرت بأنه لا يمكن لمؤسسة بحثية كبيرة، كالمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، مؤسستي، أن تغض النظر ولا تسأل الأسئلةَ المعرفية والبحثية التي تخص كرة القدم، والرياضة على نحو عام.

من هنا، بادرتُ، إلى الإشراف على ندوة نظمها المركز العربي، مطلعَ تشرين الأول/ أكتوبر 2022، حملت عنوان «الرياضة والسياسة والمجتمع». وقد نُشرت الأوراق التي قدّمت في الندوة في عددين خاصين من دورية «سياسات عربية» (وكنت حينذاك رئيسًا لتحرير الدورية) (العدد 57، تموز/ يوليو 2022، والعدد 58، أيلول/ سبتمبر 2022)، وحمل العددان عنوانًا عامًا، هو «الرياضة والسياسة»، كما نُشر جزء من أوراق الندوة في عدد خاص من دورية «عمران» (العدد 42، خريف 2022)، حمل عنوانًا عامًا، هو «الرياضة والمجتمع».

تصدرت العدد الخاص الثاني من عددي «سياسات عربية» (العدد 58) دراسة لي، حملت عنوان «العلوم الاجتماعية والظاهرة الرياضية: نحو خريطة معرفية»، أعدها من أبرز ما كتبت في السنوات الأخيرة، إذ كان علي أن أقرأ (واطّلع على) آلاف الدراسات والكتب التي أنتجتها العلوم الاجتماعية والإنسانية، بمختلف حقولها (ولا سيما في مراكز الإنتاج النظري الأساسية في أوروبا والولايات المتحدة)، لأحدّد الاتجاهات النظرية السائدة فيها. وقد حدّدت ثلاثة باراديمات نظرية في هذا المجال (ما يمكن تسميته «حقل دراسات الرياضة»، أو «سوسيولوجيا الرياضة»)، تبلورت في النصف الثاني من القرن العشرين، بعد أن انشغلت أعمال فكرية أوروبية - في النصف الأول من القرن العشرين - بالحديث عن الرياضة بوصفها تعبيرًا علاجيًا لما عُرف حينئذ ب «أزمة القيم الأوروبية»: البارادايم الأول صاغه السوسيولوجي الألماني نوربرت إلياس، في كتابه الأساسي «في عمليات الحضارة» (1936) وأعماله اللاحقة، إذ رأى الرياضةَ جزءًا من عمليات التحضر في المجتمعات الأوروبية الحديثة، وفهمها مهم لفهم تطور هذه المجتمعات، ذلك أنها كانت «تعويضًا»، أسهمت في تشكيل الضمير، وعقلنة الدوافع، والتحكم في العنف الطبيعي. أما البارادايم الثاني فصاغه السوسيولوجي الفرنسي بيير بورديو، الذي بدأ بنقد التقليد السوسيولوجي، الذي كان يحتقر الرياضةَ موضوعًا سوسيولوجيًا، ليؤسس - من ثم - لنظريته التي ترى في الرياضة الحديثة قطيعة مع أشكال الألعاب القديمة، وأنها - في المجتمعات المعاصرة - حقل اجتماعي مستقل، تتحدد مواقعُ الفاعلين فيه بحسب ما يملكون من رأسمال اجتماعي في هذا المجال، تكوّنه التمايزات ذات الطابع الطبقي في الأساس. أما البارادايم الثالث فتطور مما عُرف في سبعينيات القرن العشرين ب «السوسيولوجيا النقدية»، ذات المنهج الماركسي، التي تهتم أساسًا بالكشف عن أشكال التمييز الاجتماعي في المجتمعات المعاصرة، لينتهي في حقل الدراسات الثقافية، الذي بدأ يهتم بالظاهرة الرياضية منذ أواخر السبعينيات من القرن العشرين، وهو - امتدادًا للعلوم الاجتماعية التي تتبنى ما يُعرف ب «الماركسية الجديدة» - لا يكتفي بالنظر إلى الرياضة بوصفها من المظاهر الثقافية الأساسية للمجتمعات الرأسمالية المعاصرة، بل ما يتضمنه تشكيلها وسيرورتها من تمييزات اجتماعية.

وقد عدنا، في المركز العربي، بعد انقضاء كأس العالم في قطر، إلى تنظيم ندوة - في أواسط آذار/ مارس 2023 - عن السجال الذي رافق البطولة، ويتصل بمسائل النسبية الثقافية والخصوصية وما إليهما.

حملت الندوة عنوان «مونديال قطر 2022 من منظور الخطاب: القوة، والسياسة، والرهانات». وكانت أول ندوة تنظّمها وحدة دراسات الخليج والجزيرة العربية في المركز العربي، التي أُنشئت قبل تنظيم هذه الندوة ببضعة أشهر (أواخر العام 2022)، وأتشرف برئاستها.

وستصدر، في كتاب واحد، أعمال الندوة التي نُظمت عشية البطولة، وأبحاث الأعداد الثلاثة من «سياسات عربية» و»عمران»، والندوة التي نُظّمت غداة البطولة.

وسيتشرف كاتب هذه السطور بتحرير الكتاب، الذي آمل أن يصدر قريبًا، ليضم كل جهد المركز العربي في هذا المجال.

 

 

 

 

 


مشاهدات 44
الكاتب حيدر سعيد
أضيف 2026/07/21 - 2:47 PM
آخر تحديث 2026/07/22 - 1:04 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 110 الشهر 23300 الكلي 15928427
الوقت الآن
الأربعاء 2026/7/22 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير