حين يخلع الموتُ قميصَ الوطن
من يوسف إلى الشهيد : عنف الصورة وذاكرة الوطن في شعر حميد محمد الهاشم
عبدالكريم الحلو
???? الفصل الأول
● القصيدة : أين قميصك يا يوسف
الشاعر : حميد محمد الهاشم
أين قميصك يا يوسف
هل نسيته في البئر
والبئر عميق عميق،
أين أخوتك أبناء السراب
دع سيجارتك،
لا تطفئها..
ألاّ في عيون الذئاب،
هي علامة فارقة،
ليست إلا لك ومنك،
لا لبطل من هوليود
مزيف كذاب،
أيها البطل الجنوبي العراقي،
دخان بندقيتك
ينمو نخيلاً في جنوب القلب
و في قلب الجنوب
أيها الجنوبي،
يا رحلة المحبوب إلى المحبوب،
يا شمس العراق وبغدادها ،
يا بلاداً كأنكَ لست منها
وأنت بلادها،
إن لم تكن فيها خرائط
سحنتك السمراء،
فليس لبغداد إلا رمادك ورمادها،
ورائحة البساتين الفقيرة
في شرايين زنديك
هي الأنقى..
هي الأجمل،
يا أيها الأجمل،
يا لهيب الشعراء،
يا بحّة نايٍّ يسافر بعيدا
في ما يقوله البكاء للغناء،
يا حنين البنفسج
إلى بدر الرُميّض
وشعلان أبو الجون*،
كن كما تصبو العلياء إليك
وتزحف نحو منحرك المنون،
يا حنجرة القصب
وهي تعتلي منصة الماء،
يا ماء ألف دهر ودهرْ،
انشودة يغنيها الموج
من نهر إلى نهر
أغنية مدماة بين سنابل ذي قار،
قمر يكتب الشعر
في ليل ميسان،
إذا ما غاب يتناسل الغبار
في ظلام الطرقات،
تلك التي زحفتْ في رمالها
ثعابين وأفاعي،
لا ترمِ سيفك..
وقل إن "الشمس شمسي"
والشعاع شعاعي ،
حتى يولد الصباح من بين أصابعي،
وأعرف كلّ الذي في انتظاري،
هو في انتظاري،
وفي قلبي ينبض ألف قلب
لمصطفى العذاري،
يدا بيد نقود ألف نهار ونهارِ
قميصك سحنة سومر،
ومهد أبراهيم ،
وخلود گلگامش،
لكنما كم مؤسف
أن تحيى وتموت "
مامش مامش... "
آه.. أيها الوارث لأنكيدو
الذي لم يمت،
لكنه منذ ألف جَدٍّ
تعلّمَ الحنين إلى الحنين،
يا مشاكس الأنين،
في الدرب الطويل الطويل ،
كم من الطعنات تتجددتْ
في صدرك العاري الجميل النحيل ،
وأبيتَ إلاّ خلودا في خلود،
يا ابن القسيم
ما بين الحدود والحدود ،
ظهرك عارٍ
إلّا من خناجر أخوتك،
أخوتك،
يا ابن أمتك..
وأنت أبوها وابنها يا ابن أمتك،
فكن وحدك
ولست وحدك ،
واستئنسْ بالسجارة والبطولة
فإن البئر عميق عميق
كن وحدك فأنت وحدك
إلاّ من ميراث الحسين
━━━ ???? ━━━???? ━━━
???? الفصل الثاني
● المقدمة :
حين صدمتني صورة الشهيد
ثمة صور لا تُقرأ… بل تصدمك.
هذه واحدة منها.
رأيت الشهيد عاريا، وسيجارته ما تزال في يده، فتوقفت أمام المشهد طويلا.
لم أفهم في اللحظة الأولى لماذا هزتني هذه الصورة إلى هذا الحد :
أهو العري؟
أم الموت؟
أم تلك السيجارة التي بدت غريبة في حضرة الجسد المسجى؟
ثم أدركت أن الشاعر لم يضع أمامي جثة شهيد، بل وضع أمامي الإنسان عاريا من كل الأقنعة، والموت عاريا من كل البلاغة.
كان يمكن للشاعر أن يكسو الشهيد بثياب البطولة، وأن يرفعه إلى سماء المديح، وأن يجعل موته صورة مألوفة في قصائد الرثاء. لكنه فعل العكس تماما؛ عرّاه لكي يكشف الحقيقة.
والسيجارة؟
لم تكن تفصيلا عابرا.
كانت، في عيني، آخر نبضة من الحياة معلقة بين أصابع الموت؛ شيء صغير، يومي، عادي، لكنه أمام الجسد الميت يصبح شاهدا مرعبا على أن هذا الذي نراه شهيدا كان قبل لحظة إنسانا يعيش، يدخن، يحلم، وربما لم يكن يعرف أن يده ستتحول بعد قليل إلى أثر في ذاكرة وطن.
ثم قرأت القصيدة.
وهنا كانت الصدمة الثانية… والأعنف.
لم أكن أمام صور شعرية جميلة بالمعنى التقليدي للجمال، بل أمام صور جارحة، عنيفة، تكاد تمسك بالمتلقي من عنقه. صور لا تزين الموت، وإنما تضعه أمامنا بلا مساحيق. صور تتوالد من بعضها كما تتوالد الجراح، وتستدعي يوسف والبئر والذئاب والسيجارة والعين والوطن، لتبني شبكة من الإشارات التي تجعل الشهيد يتجاوز جسده الفردي ويصبح سؤالا عراقيا مفتوحا.
لقد اكتشفت أن عنف الصورة في هذه القصيدة ليس عنفا لغويا، وإنما هو عنف الذاكرة حين تستعيد ما حاول التاريخ دفنه.
كل صورة كانت تفتح جرحا.
وكل جرح كان يقود إلى العراق.
وهنا تحديدا بدأ النص يتجاوز الرثاء؛ فالشاعر لا يبكي الشهيد بقدر ما يجعلنا نسأل: من الذي قتله؟ ومن الذي تركه عاريا؟ ومن هم الذئاب؟ وأين أخوة يوسف؟ ومن الذي ما زال واقفا عند البئر؟
عند هذه النقطة لم يعد الشهيد شخصا واحدا ، لقد أصبح مرآة لوطن كامل.
━━━ ???? ━━━???? ━━━
???? الفصل الثالث
القراءة النقدية :
حين يخلع الموتُ قميصَ الوطن
من يوسف إلى الشهيد :
عنف الصورة وذاكرة الوطن
في شعر حميد محمد الهاشم
الناقد الدكتور عبدالكريم الحلو
● ومن هنا نبحر برحلتنا النقدية
باعتبارها رحلة عبور :
من البئر إلى الشمس،
من القميص إلى الهوية،
من الطعنة إلى البطولة،
من الجنوب إلى العراق،
من التاريخ إلى الأسطورة،
ومن الموت إلى المجد.
لا بوصف القصيدة مرثية لشهيد،
وإنما بوصفها مسرحا شعريا
تتصارع فوق خشبته
الحياة والموت،
والبراءة والخيانة،
والذاكرة والنسيان،
والإنسان والوطن.
ولعل أخطر ما فعلته القصيدة بي أنها جعلتني، بعد أن انتهيت منها، لا أستطيع أن أرى صورة الشهيد بالطريقة التي رأيتها بها أول مرة.
في البداية رأيت جسدا عاريا وسيجارة.
وفي النهاية رأيت العراق كله واقفا عاريا أمام ذاكرته.
ثمة نصوص ترثي الإنسان بعد موته،
وثمة نصوص ترفض أن تتركه للموت.
وقصيدة حميد الهاشم تنتمي إلى النوع الثاني؛ فهي لا تتعامل مع الشهيد بوصفه غائبا، وإنما بوصفه حضورا يتشكل من الغياب.
لا تبكيه بقدر ما تستدعيه،
ولا تنظر إلى موته بوصفه خاتمة،
بل بوصفه لحظة انتقال من التاريخ إلى الرمز، ومن الجسد إلى الذاكرة، ومن الإنسان إلى البطل.
إنها قصيدة مشدودة إلى سؤال فلسفي قديم ومتجدد:
● كيف يستطيع الإنسان أن ينتصر
على الموت ؟
والإجابة التي يقترحها النص :
ليست بالخلود الجسدي، فهذا مستحيل، وإنما بالخلود الرمزي؛ أن يتحول الإنسان بعد موته إلى معنى يتجاوز زمنه.
● أولا :
البئر… نقطة الصفر في ملحمة البطل
يفتتح الشاعر نصه بالسؤال :
«أين قميصك يا يوسف،
هل نسيته في البئر والبئر عميق عميق؟»
هذه ليست بداية وصفية،
وإنما بداية درامية.
الشاعر يدخل مباشرة إلى قلب المأساة، ويستدعي يوسف بوصفه أول قناع رمزي للبطل.
البئر هنا ليس مجرد مكان.
إنه المكان السفلي الذي يُلقى فيه البريء نتيجة الخيانة.
وبهذا التناص القرآني يضع الشاعر بطله في سلسلة من المظلومين الذين تبدأ رحلتهم من القاع، ثم يتحول القاع نفسه إلى نقطة انطلاق نحو المجد.
لكن المفارقة الأشد عمقا أن يوسف خرج من البئر إلى الحياة، بينما الشهيد خرج من بئر الموت إلى الخلود الرمزي.
ومن هنا يمكن صياغة المعادلة المركزية للنص:
كلما هبط الجسد، ارتفعت الروح في الذاكرة.
والتكرار في:
«البئر عميق عميق»
لا يؤدي وظيفة إيقاعية فقط، بل يضاعف الإحساس بالهاوية.
إنه بئر التاريخ نفسه؛ بئر الخيانة، والمحنة، والانتظار.
● ثانيا :
القميص… من أثر يوسف إلى سحنة العراق
القميص هو أهم مفاتيح النص.
في قصة يوسف كان القميص دليلا، وشاهدا، وموضوعا للخديعة، ثم أصبح لاحقا علامة على البراءة والنجاة.
أما هنا فيتجاوز القميص حكايته الأصلية ليصبح هوية حضارية:
«قميصك سحنة سومر،
ومهد إبراهيم،
وخلود گلگامش»
وهنا تحدث عملية تحول مذهلة:
القميص لم يعد قطعة قماش.
لقد أصبح جسد العراق نفسه.
إنه يحمل:
سحنة سومر،
وذاكرة إبراهيم،
وخلود گلگامش.
أي أن البطل لا يرتدي قميصه فقط،
بل يرتدي تاريخ العراق.
وهكذا يتحول القميص من علامة فردية
إلى علامة جمعية.
إنه قميص الشهيد،
لكنه في العمق قميص الوطن.
● ثالثا :
الأخوة والذئاب… دراما الخيانة
حين يقول:
«أين أخوتك أبناء السراب»
فإن الشاعر يستعيد إخوة يوسف،
لكنه لا يعيد إنتاج القصة حرفيا.
إنه ينقل الخيانة من الحكاية القرآنية إلى فضاء التاريخ.
الأخوة هنا ليسوا أشخاصا بالضرورة،
وإنما رمز لكل من يخون الحقيقة،
أو الوطن، أو الإنسان.
ثم تأتي الذئاب:
«لا تطفئها… إلا في عيون الذئاب»
والذئب في الوعي الرمزي العربي كائن الغدر والافتراس.
لكن الشاعر يواجه الذئاب بالسيجارة
لا بالسلاح وحده.
وهنا تكتسب السيجارة قيمة رمزية غير متوقعة.
● رابعا :
السيجارة… الإنسان داخل الأسطورة
قد يبدو إدخال السيجارة في قصيدة عن شهيد عراقـي أمرا عابرا، لكنه من أكثر اختيارات النص ذكاء.