الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
توقفي يا إبنتي وكفّي عنْ التفكير

بواسطة azzaman

توقفي يا إبنتي وكفّي عنْ التفكير

محمد خضيرِ الأنباريِ

 

في هذا العصرِ الذي تتسابقُ فيهِ الرسائلُ، قبلَ أنْ تستيقظَ الشمس، أصبحَ الصباحُ يبدأُ برنينِ الهاتفِ أكثر مما يبدأُ بزقزقةِ العصافير، تتدفقُ إلينا عشراتُ رسائلَ صباحُ الخيرِ ، تحملُ صور الورود، وألوان الطبيعة، وأكواب القهوةِ التي يتصاعدُ منها بخارٌ افتراضيٌ لا ة، حتى يخفتَ ضجيجُ الرسائل، ويغيبَ معظم الذينَ كانوا يملئونَ هاتفه- صباحا ومساء- .

 لا تصلهُ سوى عبارةٍ قصيرةٍ محفوظة: اللهُ يفرجها عليك «، أوْ « الله يرزقك «، ثمَ ينتهي الحديث. كلماتٌ جميلةٌ في معناها، لكنها تبقى عاجزةً إذا لمْ يسندها موقف، أوْ مبادرة، أوْ يد تمتد؛ لتخففٍ شيئا توقفي يا ابنتي، وكفّي عن التفكير؛ فإن دروب الهوى طويلة، وليالي الفراق عسيرة.

تمشين، والقلب شارد، والفكر حائر. ترينه قريبًا من عينيك، ثم تكتشفين أنه رحل، وأن بينك وبينه بحرًا من البعد، وأقدارًا لا نملك لها تغييرًا.

تحت الغيوم خبّأتِ الكلام، وفي زوايا الحلم أودعتِ أجمل الأحلام.

 بكيتِ، ثم بكيتِ، حتى ارتميتِ في حضن أمك، تلتمسين من دفء صدرها عزاءً، ومن حنانها بلسمًا يخفف عن قلبك لوعة الفراق.

لكن يا ابنتي، كل شيء بقدر، وما شاء الله كان، وما لم يشأه الله لن يكون.

لقد تعلّمنا الصبر حين يشتد الوجع، وحين تضيق بنا الدنيا بما رحبت. وحين اشتد الحزن على يعقوب، قال: ( فَصَبْرٌ جَمِيلٌ)؛ فلم يكن الصبر غيابًا للدمع، ولا إنكارًا للحزن، وإنما كان إيمانًا بأن وراء الألم حكمة، ووراء الصبر فرجًا.

فامضي يا ابنتي في مرضاة الله وتقواه، واتركي وراءك زقاقًا مررتِ به ساعات، ثم أُغلق بابه. غادر من كان فيه، وخلت الدار من خطاه، ومضى كلٌّ إلى نصيبه من الأقدار.

ترك الأهل والجيران، وترك الأحباب، إن كان له في الدنيا أحباب، ومضى لا يحمل من الحكاية إلا وجعها، ولا من الكلمات إلا صداها.

أما هو، فدعوه وشأنه، ولا تثقلوا عليه بالعتاب. دعوه يناجي الأيام ويعاتبها؛ فما آذى أحدًا، ولا ظلم إنسانًا، ولا مدّ يده إلى حرام.

لقد شرد الفكر في رأسه، وتاه بين ألف سؤال وألف غياب.

 أعانه الله على ما أصابه؛ فهو في ريعان الشباب، يحبس دمعة كي لا يراه أحد، ويشد على قلبه كي لا ينهار.لكنني أعرفه يا ابنتي، وأعرف ما يخفيه خلف صمته.

 حين يخلو بنفسه، وحين يسدل الليل ستاره، يتباكى على ما جرى، ويعاتب الأيام في سرّه، ويسألها: لماذا كان نصيبي كل هذا الانكسار؟

فدعوه؛ فالحزن أحيانًا لا يحتاج إلى مَن يفسره، وإنما يحتاج إلى قلب يفهمه.

ويا ابنتي، لا تنظري إلى القصور وكثرة الأموال، ولا تجعلي قيمة الإنسان فيما يملك، بل انظري إلى من يحمل في صدره فكرًا، وفي قلبه وفاءً لا تبيعه الأوهام.

فليس كل من ملك المال ملك المقام، ولا كل من علا في الدنيا علا قدره بين الأنام.

الغنى ليس بكثرة ما في اليد، ولا بعلو البناء، وإنما الغنى قلب كريم، وعقل راجح، ونفس تعرف للوفاء قدره، وللإنسان مقامه.

فاصبري يا ابنتي، صبرًا جميلًا. فأنتِ ما زلتِ جميلة الجميلات، وفي عينيك من النور ما يكفي لإضاءة عتمة السنوات.

أنتِ زهرة الفرح في بستان الحياة، وأنتِ من أجمل ما أودعت السماء من بهجات.

إن غاب حبيبك، فالله لا يغيب، وإن أظلم ليلك، فالإيمان نور لا يخيب. وهدي محمدٍ لكِ في وحشة الليل سكينة، وفي نهارك نور يهدي الخطى.

وإن طال الشتاء، فلا بد للفجر أن يأتي، ولا بد للنجوم أن تلمع في آخر المساء.

فابكيه قليلًا إن شئتِ يا ابنتي؛ فالدمع أحيانًا أصدق ما يقوله القلب حين يعجز الكلام.

ولكن لا تجعلي الفراق يهزمك، ولا تجعلي الغياب يطفئ في عينيك الحياة.

فمن أحب بصدق لا يموت أثره وإن غاب وجهه؛ يبقى في القلب مقام، وفي الذاكرة حكاية، وفي الروح شيء لا تستطيع الأيام أن تمحوه.

وسيري يا ابنتي، واتركي خلفك ذلك الزقاق.

فما كتب الله لكِ لن يضيع، وما لم يُكتب لكِ لن تعيده آلاف الأشواق، ولا طول الانتظار، ولا كثرة الدموع.

سيري في مرضاة الله، واتركي للقدر ما عجزتِ عن تغييره.

فربّ غياب خبّأ الله وراءه لقاءً، وربّ انكسار كان أول الطريق إلى النجاة، وربّ باب أُغلق في وجهك، ليفتح الله لكِ أبوابًا لم تخطر يومًا على بالك.

وأَسدلي الستار على حكاية أبكت عينيكِ ليلًا ونهارًا، وقولي لقلبك:

إن كان لي، فسيعود، ولو بعد ألف انتظار؛ وإن لم يكن لي، فسأتركه لله.

وسأحمل من لقائه ذكرى، ومن فراقه صبرًا، ومن وجعه درسًا، ومن الله يقينًا بأن بعد العسر يسرًا، وبعد الليل فجرًا، وبعد الانكسار جبرًا وانتصارًا.

فنامي يا قرة عيني، فالليل مهما طال لا بد أن ينجلي، والحزن مهما أثقل القلب لا بد أن يرحل.

وغدًا ستشرق شمسك من جديد، وستبتسمين للحياة بعد طول بكاء، وستعرفين يومًا أن الله حين أخذ منك شيئًا أحببتِه، لم يكن ليترك قلبك خاليًا، وإنما كان يخبئ لك من الخير ما هو أجمل، ومن العوض ما هو أحنّ، ومن الفرح ما ينسيكِ مرارة الفقد.

فنامي يا ابنتي، واطمئنّي؛ فما عند الله أجمل، وما يختاره الله لنا،

 وإن أوجعنا في بدايته، قد يكون رحمةً لا نفهمها إلا بعد حين.


مشاهدات 48
الكاتب محمد خضيرِ الأنباريِ
أضيف 2026/09/05 - 12:29 AM
آخر تحديث 2026/09/05 - 1:27 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 107 الشهر 6792 الكلي 16539312
الوقت الآن
السبت 2026/9/5 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير