يا دميتي الصغرى
(إلى حفيدتي)
وجيه عباس
وَلَأُوقِدنَّ بشمعتيكِ عيوني
وأريحُ شيبي فيك بالتلوينِ
وَأَرِفُّ من خوفي عليكِ بجانحي
مثل اضطراب الهدبِ فوق جفوني
وَأَرِقُّ مثلُ غمامةٍ وكَأنَّما
أمطرتُ عارضَ صحوِها بحنيني
وَأَذوبُ فيكِ بفطرتي وطفولتي
وكأنَّني استخففتُ بالستِّينِ!
بظفيرتيكِ مُوثَّقٌ وكأنني
بهما أُقادُ بهيئة المسجونِ
وكَأنَّني بهما أجِرُّ حِمالتي
كهلاً، ولكنَّ الطفولةَ ديني
*****
يا أخر المعنى يجيء كأنه
نغمٌ يُصدِّقُ في فم التنوينِ
وكأنه كان انتظاراً قائماً
مثل انتظار التين والزيتونِ
وخطاه فوق القلب تثقلُ إنما
اللاشيءُ خفَّ بحسبة الموزونِ
هذي الضلوع خطاكِ فانتثري بها
ذهباً من الصفراء والليمونِ
عسلاً كأن النحل يمزج فوقها
ماء الجبين بصفرة اليقطينِ
وتوردت خجلاً على اغصانها
حتى أبانت حمرةَ الخدينِ
وفداكِ هذا العمر لو عصفت به
شتى مواجع غربتي وسنيني
إني وجدتُ الله بين عيونها
بحراً سدرتُ به وذاك سفيني
لكنما غرقت خطاي كأنها
موسى وكنتُ بمائها فرعوني
*****
يا كلَّ هذي الروح أشفقُ دونها
أن تعتريكِ بها هناك شؤوني
الروحُ شائكةٌ فكيف لمثلها
ألا تجرِّحَ صفحةَ النسرين؟!
العالمان توافقا وتخالفا
وتجاريا من أظهرٍ لبطونِ
وأقولُ جيء بوارث لم يقتسم
الا فؤادَ مورِّثٍ محزونِ
وهو القسيمُ بما ورثتُ وحسبه
أن الكلالة اسهمٌ بغصوني
وكأنني أعطيت كلي قسمةَ
الغرماء فاستوفت هناك ديوني
*****
ياجنة الدنيا بعيني كلها
يا واحتي في شيبتي وغضوني
يا وجه أمي في الحياة وقلبها
ووجوه من أهوى ومن يهووني
ولأنت أربعةٌ السنين صغيرةٌ
قايضتُ فيها اليومَ بالمليونِ
لاتكبري، وفداك عمرٌ لم يكن
لولاك الا ضيعة المغبونِ
لولاك هذي الروح بعضُ هوامشٍ
ولأنت مادون الكتاب متوني
بخطاك هذي الناقرات حمائمٌ
وصفيرها سربٌ من الحسّونِ
ويداك وهي تلمُّ بعض أصابعي
طورٌ سيرفعني على سينينِ
تلك الطفولةُ عند ربك معجزٌ
مثل النبوة أنتِ فيهِ أميني
ولأنت معراجي إلى ملحودةٍ
أخشى عليكِ اذا غدت تطويني
إني لأحزن في التراب اذا طوى...
ورأيت أنك دونه تبكيني
سأقول كفي، ألفُ قبرٍ ساكنٍ
سيضجُّ لو أدميتِ فيَّ سكوني
*****
ياشمعدان ممالكي وشموسها
وبقيَّتي العظمى، وقرَّة عيني
ياكل تلك الاختصارات التي
جمعتكِ من ألفٍ بها ومئينِ
رسمتك غيبا من جدودٍ أورثوا
حسناً بهم من عترةٍ وحسينِ
هم أورثوك ملامحا علوية
هي من تقولُك في ثياب الطينِ
وتأولوك طفولةً فوجدتها
لايستطيلُ لدرِّها تثميني
ووجدتُها حمدَ البيان لأنَّها
كانت تشيرُ إليك في التبيينِ
يامن توزَّعت الوجوه بوجهها
وكأنها المرآة بين ظنوني
أبصرتُ كل الراحلين ملامحا
والقادمين رأيتهم في النونِ
طافوا حواليها فكانت واحدا
وكَأَنْ بها كانوا، فقالوا: كوني
الأربعُ السنواتُ وهي قليلةٌ
فخرت بقلَّتِها على التسعينِ
لاتنْظرنَّك غيرُ عينٍ لاترى
إلا بثالثةٍ على العينينِ
*****
وحبيبتي يا أنت بين عوالمٍ
طالت وإن قصرت بلا تعيينِ
مُذْ كان وجهُك جنَّتي ولعلني
أُخرجتُ ثم أُعدتُ في التمكينِ
يارحمةً خلقتكِ بين نواظري
تلك المشيئاتُ التي تبقيني
هي من أقامت لي الحياةَ بحلوها
ومرارُها أنْ كنتِ لا تأتيني
وأتيتني وأنا الغريبُ بعزلتي
ويسارُ مابي أنكرته يميني
مستوحشاً والناس تنبحني بها
حتى رضيتُ بعيشة المجنونِ
السجنُ كانَ أحبُّ لي من عيشةٍ
قد ذُمَّ عيشٌ مبدلٌ بسجونِ
أنا لستُ مسكيناً أجرُّ بخرقتي
عظمت لديَّ ترابةُ المسكينِ
أنا نخلةٌ أمطرت كل أطايبي
للناسِ من رطبٍ ومن زيتوني
هم أفردوني اليوم بعد حصادهم
ورجعتّ أحملُ دونهم عرجوني
*****
يادميتي الصغرى وجدُّك لم يزلْ
طفلاً وهذا الشيبُ بعضُ ظنونِ
إثمٌ قبالة أعورٍ وصحيحُه
ما قاله عبودُ عن "حنّونِ"!
أنا لم أزل طفلا هناك تقولني
تلك الخطى واصابعي وعيوني
روحي فراشاتٌ وليس بوسعها
ألا تطير بخفتي وجنوني
طيري معي، تلك السماءُ ترابنا
إنا ملائكةٌ على الأرضينِ
لهناك نُنمى ليس يدري سرنا
الا الذي وهب الجناحَ لِذينِ