ثروة وأزمة
رغد الكناني
الأزمة الاقتصادية التي تعصف بالعراق اليوم لم تعد مجرد أرقام تُطرح في الموازنات أو مؤشرات مالية تتداولها المؤسسات، بل أصبحت واقعاً ينعكس بصورة مباشرة على حياة المواطن ومعيشته وقدرته على مواجهة متطلبات الحياة اليومية.
العراق بلد غني بالثروات، وفي مقدمتها النفط، ويمتلك إمكانات اقتصادية كبيرة تؤهله لبناء اقتصاد قوي ومستقر، إلا أن الاعتماد الكبير على النفط كمصدر رئيس للإيرادات جعل الاقتصاد العراقي عرضة للتقلبات والأزمات كلما انخفضت أسعار النفط أو تراجعت الإيرادات.
وتكشف الأرقام حجم هذا الاعتماد؛ ففي عام 2025 شكّل النفط نحو 53بالمئة من الناتج المحلي الحقيقي، و88بالمئة من إيرادات الحكومة، و91بالمئة من صادرات السلع، وهو ما يؤكد أن الاقتصاد العراقي ما زال مرتبطاً بصورة كبيرة بالقطاع النفطي.
وتزداد خطورة الوضع عندما تتراجع الإيرادات النفطية، فقد انخفضت إيرادات النفط خلال عام 2025 بنحو 11.8بالمئة على أساس سنوي، فيما اتسع العجز المالي إلى نحو 2.1 بالمئة من الناتج المحلي. كما انكمش الاقتصاد العراقي بنحو 2.2 بالمئة خلال العام نفسه، وبلغ معدل البطالة نحو 15.5بالمئة.
ولا تقف المشكلة عند البطالة وتراجع النمو، فالفقر لا يزال يمثل تحدياً مهماً، إذ بلغت نسبة الفقر الوطنية نحو 17.5بالمئة خلال 2023/2024، الأمر الذي يؤكد أن حجم الثروات لا يضمن وحده تحقيق الرفاه الاقتصادي، ما لم تتم إدارتها واستثمارها بصورة صحيحة.
أعباء مالية
وتكمن المشكلة في أن الثروات الكبيرة لم تتحول بالقدر الكافي إلى اقتصاد متنوع ومنتج. فما زالت قطاعات الصناعة والزراعة والسياحة والاستثمار بحاجة إلى دعم حقيقي، بينما تتحمل الدولة أعباء مالية كبيرة نتيجة تضخم النفقات والرواتب والتقاعد والدعم والخدمات.
كما أن الفساد المالي والإداري والهدر في المال العام يمثلان تحدياً كبيراً أمام معالجة الأزمة، لأن الأموال التي تُهدر بعيداً عن المشاريع التنموية تمثل فرصاً ضائعة لبناء البنية التحتية، وتوفير فرص العمل، وتحسين الخدمات، ورفع مستوى معيشة المواطن.
إن معالجة الأزمة لا يمكن أن تعتمد على الحلول المؤقتة أو الاقتراض وحده، بل تحتاج إلى إصلاح اقتصادي شامل يقوم على تنويع مصادر الدخل، وتشجيع القطاع الخاص، ودعم الاستثمار، وحماية المنتج المحلي، وإحياء الصناعة والزراعة، واستثمار الموارد بصورة أكثر كفاءة.
وفي الوقت نفسه، يجب أن يبقى المواطن في مقدمة الأولويات. فالإصلاح الاقتصادي لا ينبغي أن يتحول إلى أعباء إضافية على الموظف والمتقاعد وأصحاب الدخل المحدود، بل يجب أن يترافق مع حماية اجتماعية حقيقية، والسيطرة على ارتفاع الأسعار، وتحسين الخدمات، وتوفير فرص العمل.
كما أن المرحلة الحالية تتطلب مراجعة شاملة للإنفاق الحكومي، وتوجيه الموارد نحو المشاريع المنتجة التي تحقق عائداً اقتصادياً واجتماعياً، بدلاً من استمرار الإنفاق غير المنتج أو المشاريع التي لا تنعكس نتائجها بصورة واضحة على حياة المواطنين.
والعراق بحاجة إلى الانتقال من اقتصاد يعتمد على الاستهلاك والإنفاق إلى اقتصاد يقوم على الإنتاج والاستثمار. فالثروة النفطية ينبغي أن تكون وسيلة لبناء اقتصاد مستدام، وليس مجرد مصدر لتمويل النفقات السنوية.
إن بناء اقتصاد قوي يتطلب إرادة سياسية حقيقية، وإدارة رشيدة للمال العام، وشفافية أكبر، ومحاسبة حقيقية للمقصرين، إلى جانب وضع خطط اقتصادية واضحة تتجاوز الحلول الآنية وتنظر إلى مستقبل الأجيال القادمة.
فالعراق لا يعاني من نقص الثروات، وإنما يحتاج إلى حسن إدارة هذه الثروات وتحويلها إلى مشاريع وفرص عمل وخدمات وتنمية حقيقية.
إن الثروة التي لا تتحول إلى تنمية، والموارد التي لا تنعكس على حياة المواطن، تبقى أرقاماً كبيرة بلا أثر حقيقي. ولذلك فإن المسؤولية اليوم لا تقتصر على مواجهة الأزمة، بل تمتد إلى بناء اقتصاد قادر على حماية العراق من الأزمات المستقبلية.
العراق يمتلك الثروة، لكنه يحتاج إلى اقتصاد يحسن استثمارها، وإدارة تجعل عائداتها تصل إلى المواطن، وخطط تحول الموارد الطبيعية إلى تنمية وفرص عمل وحياة كريمة.
وبين الثروة والأزمة، يبقى السؤال الأهم: كيف نحول ما يمتلكه العراق من موارد وإمكانات إلى اقتصاد منتج ومستدام، ومستقبل أفضل للمواطن والأجيال القادمة.