الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
ما بين الثورة والثروة

بواسطة azzaman

ما بين الثورة والثروة

كامل كريم الدليمي

 

حين تُذكر الثورات العظيمة في تاريخ الإنسانية، فإن ثورة الإمام الحسين عليه السلام تتقدمها جميعًا بوصفها ثورةً لم تُشعلها المطامع، ولم تحركها الرغبة في سلطان أو ثروة، وإنما نهضةٌ قامت من أجل إحياء الحق، وإصلاح الأمة، وصيانة دين الإسلام من الانحراف. لقد كانت ثورةً لله وحده، عنوانها التضحية، وغايتها أن يبقى الإنسان حرًا عزيزًا، لا يخضع إلا لخالقه.

لم يخرج الإمام الحسين عليه السلام طالبًا ملكًا أو جاهًا، بل أعلن مشروعه الإصلاحي بوضوح حين جعل هدفه الإصلاح في أمة جده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وإحياء فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومواجهة الظلم والطغيان. ومن هنا تحولت كربلاء إلى مدرسة خالدة، تعلم الأجيال أن الدم الذي يُراق دفاعًا عن الحق أبقى أثرًا من القصور التي تُبنى على الظلم، وأن المبادئ لا تُشترى بالذهب ولا تُقاس بالمكاسب الدنيوية.

خدمة الإنسان

وفي الجهة الأخرى من المشهد يقف أولئك الذين جعلوا الثروة غاية حياتهم، فعبدوا المال بدل أن يجعلوه وسيلةً لخدمة الإنسان. جمعوا الأموال بأي وسيلة، واستغلوا حاجات الناس، واشتروا الضمائر، وأذلوا الفقراء، وظنوا أن كثرة المال تمنحهم الخلود والقوة. لكن التاريخ يشهد أن الثروة حين تنفصل عن الإيمان والعدل تتحول إلى أداة فساد، وأن المال الذي لا يُبنى على التقوى يكون وبالًا على صاحبه قبل غيره.

إن الإسلام لا يحارب الثروة المشروعة، بل يدعو إلى الكسب الحلال، ويجعل المال نعمة إذا استُخدم في إعمار الأرض، ونصرة المظلوم، وإغاثة المحتاج، وتحقيق العدالة. غير أن الإسلام يرفض أن يتحول المال إلى معبود، أو أن يكون وسيلة لاستعباد الناس وسلب حقوقهم، لأن الكرامة الإنسانية أعظم من كل كنوز الدنيا.

لقد أثبتت ثورة الإمام الحسين عليه السلام أن الإنسان قد يخسر المال والأهل والنفس، لكنه إذا تمسك بالحق فقد ربح رضا الله وخلود الذكر. أما من باع دينه من أجل ثروة زائلة، فقد يخسر ضميره في الدنيا، ويقف يوم القيامة مفلسًا من القيم والأعمال الصالحة.

إن من يؤمن بالإسلام دينًا، وبالقرآن الكريم دستورًا، وبسنة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم منهجًا، لا يكفيه أن يحيي ذكرى الإمام الحسين عليه السلام بالشعارات، بل عليه أن يقتدي بمنهجه، وأن يجعل من ثورته مدرسةً للسلوك والعمل والإصلاح. فالحسين لم يورث الأمة الحزن فحسب، بل ورثها مسؤولية الدفاع عن الحق، ومقاومة الظلم، ونصرة المظلوم، وحفظ كرامة الإنسان.

أما الذين جعلوا الثروة هدفهم الأسمى، واستباحوا من أجلها حقوق الناس وكرامتهم، فقد أذلتهم أموالهم قبل أن تُذل غيرهم، وخسروا الدين والدنيا معًا. فالثروة إذا لم تُضبط بالتقوى والعدل تتحول إلى قيدٍ على صاحبها، بينما يبقى الحق الذي نادى به الحسين عليه السلام هو الثروة الحقيقية التي لا تنفد، لأنها طريق رضا الله، وعنوان عز الإنسان في الدنيا، وفوزه في الآخرة .

 


مشاهدات 89
الكاتب كامل كريم الدليمي
أضيف 2026/06/21 - 4:32 PM
آخر تحديث 2026/06/22 - 1:44 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 74 الشهر 20779 الكلي 15896260
الوقت الآن
الإثنين 2026/6/22 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير