الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
التصنيفات العالمية لمؤسّسات التعليم.. مسرحية وهميّة تُخدع الوزارات والجامعات

بواسطة azzaman

التصنيفات العالمية لمؤسّسات التعليم.. مسرحية وهميّة تُخدع الوزارات والجامعات

محمد الربيعي

 

مرة أخرى، ومع حلول موسم التصنيفات العالمية للجامعات، يعود المشهد المألوف الذي يملأ الفيسبوك بمنشورات التباهي والتهاني، وكأننا أمام إنجاز تاريخي يغير واقع التعليم في بلدنا. وزارتنا تلهث، جامعاتنا تسابق الزمن، وتدريسيوننا يتنافسون في نشر الأخبار وكأنهم اكتشفوا علاجاً للسرطان! لكن الحقيقة التي يجب أن نواجهها بكل جرأة ووضوح: هذه التصنيفات ليست أكثر من مسرحية وهمية بمعايير مضللة وتقييمات مغلوطة، وهي لعبة خطيرة تخدع الجميع وتصرف أنظارنا عن جوهر العملية التعليمية.

دعوني أكون واضحاً وصريحاً، فقد سئمنا هذه المهزلة التي تتكرر كل عام وكأننا نعيش في حلقة مفرغة من الوهم والخداع. دعونا نفضح هذه التصنيفات ونكشف زيفها، ليس انطلاقاً من رغبة في التشاؤم، بل من منطلق المسؤولية العلمية والأكاديمية التي تفرض علينا قول الحقيقة ولو كانت مرة.

 معايير مضللة وحسابات مشبوهة

تعتمد التصنيفات العالمية بشكل أساسي على مؤشرات محدودة لا تعكس جودة التعليم بأي شكل من الأشكال. تركيزها الأكبر على عدد الأبحاث المنشورة، متناسية أن كثيراً من هذه البحوث تنشر في مصانع أوراق ومجلات مفترسة، أو أنها بحوث مسروقة ومكررة. لقد تحولت الأبحاث إلى سلعة تباع وتشترى، والكمية أصبحت تتفوق على الجودة في مشهد أكاديمي مشوه.

أين جودة التدريس؟ أين فعالية التعلم؟ أين رضا الطلاب وتطورهم؟ كل هذه الأسئلة تظل بلا إجابة في عالم التصنيفات، لأنها ببساطة ليست ضمن اهتمامات القائمين عليها. فالمؤشرات المستخدمة سطحية ومضللة، تخلق حلقة مفرغة حيث تسعى الجامعات لزيادة عدد المنشورات على حساب الجودة الحقيقية، ويتحول التعليم العالي إلى مجرد أرقام وجداول.

 تلاعب بالمعلومات وكذب مفضوح

الأمر الأكثر إثارة للقلق هو أن التصنيفات تعتمد بشكل كبير على البيانات التي تقدمها الجامعات نفسها، دون تدقيق كافٍ أو تحقق من صحتها. وهنا يبرز السؤال المحرج: كم جامعة عراقية تقدم معلومات دقيقة؟ وكم منها يمارس «التجريف» المعلوماتي بإضافة أو حذف البيانات حسب «شطارة» الجامعة في تضليل القائمين على التصنيف؟

لقد ظهرت في مرات عديدة وبصورة جلية فضائح تجريف معلوماتي اضطرت معها مؤسسات التصنيف إلى تغيير ترتيب جامعات بأكملها. والقصة الأشهر كانت مع جامعة السلطان قابوس حين تراجعت 150 مرتبة في تصنيف QS بعد اكتشاف أن تجريف البيانات في السنوات السابقة حدد بشكل خاطئ أعضاء هيئة التدريس، مما أدى إلى تضخيم نسبة الطلاب إلى أعضاء هيئة التدريس بشكل وهمي.

وهذا ليس استثناء، بل هو القاعدة في لعبة التصنيفات التي تقوم على بيانات غير موثوقة ومغشوشة في كثير من الأحيان، دون أي محاولة فعالة من جامعي التصنيفات لمراجعة أو ضمان جودة البيانات المقدمة.

 محدودية كارثية في التمثيل

هنا المفاجأة التي يجب أن توقظ الجميع من غفلتهم: التصنيفات العالمية لا تصنف إلا الجامعات المشاركة فقط! نعم، إنها ببساطة لا تعكس واقع التعليم العالي في العالم، بل تعكس فقط رغبة الجامعات في المشاركة وقدرتها على توفير البيانات المطلوبة.

الأرقام تتحدث بوضوح ولا تحتمل التأويل: إحدى التصنيفات تضم 46 جامعة فقط من أصل 3982 جامعة أمريكية (بنسبة 1.2بالمئة!) بينما تضم 71 جامعة عراقية من أصل 110 جامعة (بنسبة 64.5بالمئة). هذا يعني أن التصنيفات لا تقيس الجودة بقدر ما تقيس مدى اهتمام الدول وجامعاتها بالمشاركة في هذه اللعبة. إنها تمثل أقل من 5بالمئة من مجموع الجامعات العالمية، وتتجاهل أكثر من 26 ألف جامعة حول العالم لا تشارك لأسباب متعددة، منها عدم الرغبة أو عدم القدرة على توفير البيانات المطلوبة.

 تقييمات مغلوطة وتحيز صارخ

تغفل التصنيفات تماماً دور العوامل الخارجية في تأثيرها على النتائج. حجم الجامعة وثراؤها المادي يلعبان دوراً حاسماً في ترتيبها، فالجامعات ذات الموارد الأكبر تمتلك ميزة واضحة في إجراء البحوث وجذب أفضل أعضاء هيئة التدريس. هذا يعني أن التصنيفات لا تقيس الجودة بقدر ما تقيس القدرة المالية.

والأسوأ من ذلك هو التحيز الثقافي والجغرافي الفاضح. المواقع المتقدمة محجوزة لجامعات الدول الغربية، خصوصاً الناطقة بالإنكليزية الأمريكية والبريطانية، وبعض جامعات العالم النامي التي تدفع أموالاً طائلة. تبقى المراتب المتأخرة متاحة لجامعات الدول الفقيرة، وكأن العالم الأكاديمي مقسم إلى طبقات اجتماعية واقتصادية تكرسها هذه التصنيفات الظالمة.

أسوأ ما في الأمر هو استطلاعات السمعة

هنا يجب أن نتوقف طويلاً عند أخطر ما في التصنيفات: استطلاعات السمعة التي تمثل 50بالمئة من وزن تصنيف !QS هذه الاستطلاعات معيبة منهجياً بشكل فاضح، تقيس أداء البحث فقط وتصب في مصلحة عدد صغير من المؤسسات الغربية المعروفة. إنها تعكس انطباعات ذاتية وتحيزات ثقافية أكثر مما تعكس واقعاً أكاديمياً حقيقياً.

يطلب تقرير مركز أبحاث التعليم العالي في المملكة المتحدة إسقاط هذه الاستطلاعات تماماً، نظراً لعيوبها المنهجية الفادحة، وعدم كفاية مراقبة جودة ونزاهة البيانات فيها.

 مسرحية وهمية وتنافس غير صحي

تصبح الجامعات مساقة وراء لعبة التصنيفات، مركزة جهودها على تحسين مؤشراتها المصطنعة بدلاً من التركيز على جوهر العملية التعليمية وتطوير تجربة الطلاب. وهذا يحرف الهدف الحقيقي للتعليم العالي، وهو توفير تعليم جيد للطلاب وإجراء أبحاث تخدم المجتمع.

تساهم التصنيفات في خلق بيئة تنافسية غير صحية بين الجامعات لا تتعلق بجودة التعليم والبحث والابتكار وخدمة المجتمع، مما يعيق التعاون وتبادل المعرفة ويحول التركيز من الارتقاء بالتعليم بشكل عام إلى السعي وراء الرتب المصطنعة. خاصة عندما يعتمد التصنيف على سياسة «ادفع أكثر تحوز على مرتبة أفضل».

 إغفال التنوع واحتياجات الطلاب

تهمل التصنيفات احتياجات وتطلعات الطلاب الفردية، مقدمة صورة نمطية عن «أفضل» الجامعات دون مراعاة التنوع في مجالات التخصص وأساليب التعلم وثقافات الطلاب. يجب أن يختار الطلاب الجامعات التي تناسب احتياجاتهم وأهدافهم الفردية، وليس فقط الجامعات التي تحتل مرتبة عالية في التصنيفات.

 الخلاصة: مزحة سمجة لا تستحق الاهتمام

في النهاية، وكما خلص تقرير مركز أبحاث التعليم العالي، فإن التصنيفات العالمية للجامعات هي «مزحة سمجة» لا تأخذ في الاعتبار جودة التدريس بشكل كافٍ ويمكن التلاعب بها بسهولة. إنها فشلت في تحديد «أفضل» الجامعات في العالم، نظراً للوظائف العديدة التي تقوم بها الجامعات والتي لا تظهر في التصنيف. في الواقع، تم حذف النشاط الأكثر أهمية - تعليم الطلاب - من المعايير تماماً.

لذا، أيها الوزراء ورؤساء الجامعات وأعضاء هيئة التدريس، ألم يحن الوقت لتتوقفوا عن اللهث وراء هذه الأوهام ونشر منشورات الفرح الزائف على الفيسبوك؟ ألا تدركون أن اهتمامكم المفرط بهذه التصنيفات يكشف عن خلل جوهري في نظرتكم لحقيقة التعليم العالي ومقوماته الحقيقية؟ حان الوقت لتتوقف هذه المهزلة، وأن تركز جامعاتنا على وظائفها الأساسية لأن هذا هو الشيء الصحيح الذي ينبغي القيام به، وليس لأنه قد يحسن وضعها في أي تصنيف وهمي. يجب أن تتحول جهودنا نحو تحسين جودة التعليم فعلياً، وتطوير المناهج، وتدريب الطلاب، وخدمة المجتمع، بدلاً من السعي وراء أرقام مصطنعة لا تعكس واقعنا ولا تخدم مستقبل أجيالنا.

نعم، قد تستمر لعبة الروليت هذه، لكننا نأمل أن يأتي يوم يهمل فيه العقلاء جداول التصنيفات أو يستخدمونها للتسلية فقط، وأن يتحلى صناع السياسات بالحذر الشديد قبل استخدامها لوضع سياسات تعليمية مصيرية. فالتعليم الحقيقي لا يقاس بأرقام وهمية، بل بجيل واعٍ قادر على بناء مستقبل أفضل لوطنه ومجتمعه.

  بروفيسور ومستشار في شؤون التعليم العالي

 


مشاهدات 91
الكاتب محمد الربيعي
أضيف 2026/06/21 - 4:31 PM
آخر تحديث 2026/06/22 - 1:44 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 74 الشهر 20779 الكلي 15896260
الوقت الآن
الإثنين 2026/6/22 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير