الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
تغوّل سلطة الواقع على سيادة القانون

بواسطة azzaman

تغوّل سلطة الواقع على سيادة القانون

أحمد فاتح محمد

 

كيف تحولت الدولة الدستورية في بلادنا إلى مجرد واجهة بلا روح؟ هذا ليس تساؤلاً أكاديمياً يُناقش في قاعات المحاضرات الفارهة، بل هو الواقع المرير الذي نصطدم به في كل زاوية من زوايا بغداد وبقية المحافظات وحتى اقليم كردستان. إن الإشكال الحقيقي والعميق الذي نعيشه اليوم لا يكمن في غياب النصوص الدستورية أو نقص التشريعات الرادعة، بل في «تغول سلطة الواقع» على سيادة القانون. تلك السلطة غير الرسمية التي فرضت نفسها كقوة عليا تلتهم هيبة القانون و الدستور ومؤسسات الدولة الرسمية. لقد نجح «سادة المحاصصة والامتيازات في ترسيخ نظام هجين لا يقوم على إلغاء القانون علناً، بل على إفراغه من محتواه الأخلاقي وتحويله إلى غطاء لحماية السلب والنهب. في ظل هذا الواقع البائس، لم نعد نعيش في دولة قانونية حقيقية، بل في دولة الشكلية القانونية. حيث يُحافظ بعناية فائقة على المظاهر الدستورية من برلمان ومحاكم وموازنات لتظهر الدولة بمظهر طبيعي أمام المجتمع الدولي، بينما تُدار الأمور في الغرف المظلمة بإرادة ومصالح «سلطة الواقع». هذه السلطة الموازية هي التي تقسم الغنائم، وتحدد عقود الاستثمار، وتمنح الحصانة لحيتان الفساد الذين أصبحوا بفضل نفوذهم المالي والسياسي فوق الحساب والمساءلة الدستورية والقضائية. إن خطورة هذا التغول تكمن في أنه يقتل «العقد الاجتماعي» ويُنتج حالة من اليأس الجماعي والاقتراب من العدمية القانونية. عندما يشاهد المواطن البسيط كيف يُطبق القانون بصرامة حديدية وقسوة بالغة على كاسب متجول أو موظف صغير ارتكب مخالفة بسيطة، بينما تُفتح صالات الشرف وتُذلل العقبات القانونية لمن ينهبون مليارات الدولارات بموجب صفقات وتواقيع رسمية، فإنه يفقد الإيمان بأي سلطة للدولة. هنا يسقط القانون كأداة للعدالة ويتحول إلى سوط لقهر الضعفاء ومظلة لحماية الأقوياء والمسنودين. لقد تجاوزنا منذ زمن أطروحات عالم الاجتماع الراحل علي الوردي حول صراع البداوة والحضارة، لنقع في صراع مرير بين مواطن يبحث عن وطن يحترم كرامته وحقوقه، وسلطة واقع لا ترى في هذا الوطن سوى بئر نفط وعقود استثمارية جاهزة للتقاسم والمحاصصة خلف الكواليس. إن منظومة الفساد لم تلتهم الدولة بالصدام المسلح والعلني، بل التهمتها حين أفرغت المرفق العام والوظيفة الحكومية من قيمتها المهنية والأخلاقية. لقد تم استبدال الكفاءات وأصحاب النزاهة بـ «المحاسيب والأقارب» ذوي الولاء الأعمى لجهاتهم الحزبية و المكوناتية والسياسية. هكذا تم شل الأجهزة الرقابية، وأصبحت المؤسسات التي يُفترض بها حراسة المال العام والخاص مجرد أدوات لتأمين الحصانة وتبرير صفقات النهب الممنهج وتوفير الغطاء القانوني للفاسدين. بناءً على ذلك إن إنقاذ الدولة  في العراق لا يمكن أن يتم عبر تعديل نصوص قانونية هنا أو كتابة تشريعات هناك أو مقاضاة افراد و اصحاب مناصب اعتيادية، لأن المنظومة الفاسدة قادرة دائماً على احتواء النصوص الجديدة وإفراغها من فعاليتها وقوتها. إن الخلاص الحقيقي والوحيد يبدأ من استعادة هيبة القانون الحقيقي، وإنهاء حقبة «سلطة الواقع» الموازية التي التهمت الأخضر واليابس. وبدون ذلك سنبقى ندور في حلقة مفرغة، نبكي على دولة سُرقت هيبتها باسم التوافق السياسي، وأكلت منظومة الفساد ما تبقى من روحها الدستورية والأخلاقية لصالح نخبة الكيبلوقراطية.


مشاهدات 59
الكاتب أحمد فاتح محمد
أضيف 2026/08/15 - 2:48 AM
آخر تحديث 2026/08/15 - 3:52 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 276 الشهر 15361 الكلي 16105065
الوقت الآن
السبت 2026/8/15 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير