الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
مذكّرة التفاهم الأمريكية الإيرانية.. العودة إلى سياسة التوازن الدولية

بواسطة azzaman

مذكّرة التفاهم الأمريكية الإيرانية.. العودة إلى سياسة التوازن الدولية

قتيبة آل غصيبة

 

حين وقف «هنري كيسنجر - وزير الخارجية ألامريكي ألأسبق» أمام الكونغرس الأمريكي في سبعينيات القرن الماضي ليدافع عن سياسة الانفتاح على الصين وتقاربه مع موسكو في آنٍ واحد؛ لم يكن يرتجل ولا يناور؛ بل كان يُطبّق درساً استراتيجياً عميق الجذور خلاصته: «أن القوى العظمى لا تُدير العالم بالهيمنة المطلقة؛ بل بالتوازن المحسوبة» ، وقد صاغ كيسنجر هذا الدرس في كتابه «الدبلوماسية» بعبارة لا تزال تتردد صداها في دهاليز الاستراتيجية الدولية: (إن النظام الدولي المستقر لا يُبنى على ردّ العدو إلى الصفر؛ بل على إبقائه في موضعه من المعادلة دون أن يطغى عليها)، إذ كان كيسنجر يعلم أنه لا يخترع هذا الدرس؛ بل يستعيد إرثاً قديماً من القرن التاسع عشر للإمبراطورية البريطانية التي استقتها عن إمبراطورية روما القديمة؛ ورثته أمريكا عن بريطانيا بعد الحربين العالميين، «فالإمبراطورية الرومانية»؛ لم تُدِر أطراف عالمها بجيوش مرابطة في كل زاوية؛ فقد أدرك الرومان مبكراً أن مدّ الحدود إلى ما لا نهاية يُنهك الجسد الإمبراطوري ويُعرّضه للانكسار، وهو ما وثّقه «المؤرخ إدوارد غيبون؛ ت: 1794» بصورة لافتة في كتابه «تاريخ انحطاط الإمبراطورية الرومانية وسقوطها»؛ حين تتبّع «كيف أن التمدد المفرط كان في كل مرة بذرة الانهيار؛ حيث آثر الرومان إقامة ممالك عازلة وتابعة على الحدود؛ تمنح الاستقرار الكافي لاستمرار التدفق التجاري؛ وتحجب عن الأطراف ما يكفي لمنع أي تمرد على المركز، ثم جاءت «بريطانيا القرن التاسع عشر» وارثةً لهذا الدرس؛ فطبّقته على أوروبا بحرفية أدهشت المؤرخين: « فهي لم تحتل فرنسا ولم تُدِر ألمانيا؛ بل وازنت بين القوى القارية وأمدّت الأضعف حين يشتد الأقوى؛ وكسرت الأقوى حين يطغى؛ محافظةً طوال قرن كامل على ميزان لا يسمح لأحد بالانفراد بأوروبا بينما تحتفظ لندن بسيادتها البحرية ونفوذها التجاري

وفي هذا الصدد فقد تعمّق» المؤرخ البريطاني د. نيال فيرغسون» في موضوع  الإرث الامبراطوري في كتابه «الصنم: صعود الإمبراطورية الأمريكية وسقوطها»؛ مستحضراً    « كيف انتقل هذا النهج الاستراتيجي من لندن إلى واشنطن؛

مفارقة امريكية

وكيف أن أمريكا أحجمت عن الحكم المباشر لكنها لم تُحجم عن إدارة الموازين»، وفي السياق ذاته يضع» المفكر الاستشرافي الأمريكي جورج فريدمان» في كتابه «الإمبراطورية والجمهورية في عالم متغير» يده على جوهر هذه المفارقة الأمريكية حين يصف الولايات المتحدة: (بأنها جمهورية في ثياب إمبراطورية؛ وإمبراطورية تتذكر أحياناً أنها جمهورية؛ مؤكداً أنها لم تصبح إمبراطورية لأنها قصدت ذلك؛ بل لأن التاريخ سار على هذا النحو وفرض عليها دوراً لم تطلبه؛ فالإمبراطورية غير المُتَعَمدة «على حد تعبيره» هي أخطر أنواع الإمبراطوريات على نفسها وعلى من يُدير معها شؤون العالم؛ لأنها تمارس الهيمنة دون أن تعترف بها كاملاً؛ وتتحمل أعباء الإمبراطورية دون أن تتمتع بتوافق استراتيجي يليق بها) ، وفي هذا يلتقي فريدمان مع ما ذهب إليه «زبغنيو بريجنسكي؛ ت: 2017 في كتابه- رقعة الشطرنج الكبرى»؛ حين رسم خريطة العالم من منظور استراتيجي واحد: (بأن المهمة التاريخية الكبرى للقوة الأمريكية هي ضمان ألا تنبثق في أوراسيا قوة مهيمنة واحدة؛ وأن تبقى محاور التوازن الكبرى مفتوحة لواشنطن لا لسواها.)

وبناء على ذلك، فإن هذا الدرس قد تم طويه؛ فبعد تفكيك الاتحاد السوفيتي في عام 1991؛ انطلق المشروع الامبراطوري الامريكي؛ الذي  جاء نتيجة تلاقي أفكار أيديولوجية؛ وفرص اقتصادية؛ وحسابات جيوسياسية؛ ومع مطلع القرن الحالي؛ وقعت أمريكا فيما أسماه «المفكر الاستراتيجي الكبير بول كينيدي في كتابه - صعود القوى العظمى وسقوطها» بـ(الإفراط الإمبراطوري) ؛ «تلك اللحظة التي تتخطى فيها القوة حدود ما تستطيع إدارته فتجد نفسها تنزف في هوامش لا تُحسم»، وهو ما رصده جورج فريدمان بدقة حين أشار في كتابه السابق إلى؛ «أن التوتر البنيوي بين طبيعة أمريكا الجمهورية وتطلعاتها الإمبراطورية يبلغ ذروته حين تنخرط في حروب  مباشرة؛ حيث أن  الجمهوريات الديمقراطية لا تجيد في الغالب تحمّل التكاليف البشرية والمالية لإعادة بناء مجتمعات بأكملها»، (فالغزو الأمريكي لأفغانستان ثم العراق لم يكن توازناً بل احتلالاً؛ ولم يكن إدارة توازنات بل محاولة إعادة تشكيل هوّيات) ، وهو الدور الذي حذّر منه « المفكر الامريكي هانز مورغنثا؛ ت 1980؛أبو الواقعية السياسية الحديثة حين أكد في كتابه - السياسة بين الأمم الصراع من أجل السلطان والسلام؛ ج1»: (أن المصلحة الوطنية وحدها هي البوصلة التي ينبغي للقوى العظمى التحلي بها؛ وأن الأخلاقَ في الخطاب والجيوشَ على الأرض إذا انفصلا عن المصلحة المحسوبة أنتجا كارثة).

خسائر فادحة

وقد أثبتت حرب  أفغانستان والعراق صحة هذا التحذير بصورة قاطعة:» عشرون عاماً في الأولى؛ وعقد ونيف في الثانية؛ وخرجت واشنطن بخسائر فادحة وبلدان لم تستقر

وبناء على ذلك، نستنتج؛ «أن هذا الجرح المزدوج قام بصناعة التحوّل الذي نراه اليوم في مذكرة التفاهم الإيرانية-الأمريكية،  فحين يدعو « جون ميرشايمر وستيفن والت في كتابيهما - اللوبي الاسرائيلي والسياسة الخارجية الأمريكية» ؛ إلى ما أسمياه: («الموازنة من الخارج»؛ أي أن تكتفي أمريكا بمنع هيمنة أي قوة إقليمية دون أن تنخرط عسكرياً في إدارة تفاصيلها).

 وهذا ما عملت عليه الادارة الامريكية مؤخراً؛ من خلال مذكرة التفاهم مع إيران المزمع توقيعها هرمز، إذ يأتي هذا تأكيد لما حذر منه فريدمان سابقاً : «من أن ما يبدو في الظاهر تراجعاً أو هزيمة قد يكون في الحقيقة عودةً إلى رشد الإمبراطورية وحكمتها؛ وأنه من الخطأ الكبير هو قراءة المشهد الاستراتيجي بمعايير الانتصار العسكري الكامل بدلاً من معايير إدارة التوازن الدائم»، (فواشنطن لم تسعَ إلى تدمير إيران كلياً؛ لأن إيران المدمّرة تعني فراغاً تملأه قوى لا تريدها أمريكا في المنطقة؛ بل سعت إلى تقليص قدراتها إلى مستوى يجعلها عنصراً في المعادلة الإقليمية لا سيداً عليها؛ ثم ثبّتت هذا المستوى بمذكرة تحفظه وتُقنّنه.)

بالمقابل فإن مذكرة التفاهم هذه في بنودها الأربعة عشر؛ وإن بدت في ظاهرها رابحة لإيران بتسعة بنود من أصلها، فإنها تكشف طبيعة الاستراتيجية الإمبراطورية الكلاسيكية في أجلى صورها: ( فهي تمنح المهزوم من الموارد ما يكفي لاستمراره ولا تمنحه ما يكفي لتجاوز حدوده؛ فالإعفاءات النفطية الفورية وصندوق إعادة الإعمار بثلاثمئة مليار دولار ليست مكافأةً على صمود؛ بل هي ثمن الاستقرار الذي تشتريه واشنطن من طهران «بأموال خليجية») ، وهذا بالضبط النموذج الذي توصل إليه «عالم السياسة الأمريكي وولتر راسل ميد في تحليله لمدارس السياسة الخارجية الأمريكية في كتابه – السياسة الخارجية ألامريكية وكيف غيرت العالم» : (بأن القوة العظمى لا تدفع دائماً ثمن النظام من خزينتها؛ بل تُدير شبكة تحمل فيها الأطراف الأقرب إلى مناطق التوتر العبءَ الأكبر من التكلفة.)

وها هنا تقع دول الخليج العربي في موضعها الحقيقي من هذه المعادلة التاريخية المتوارثة:  « فهي ليست شريكاً استراتيجياً بالمعنى الكامل؛ بل ممالك عازلة بالمفهوم الروماني؛ ودول موازنة بالمفهوم البريطاني؛ وعوامل تمويل بالمفهوم الأمريكي المعاصر؛ ومحطات تزود بالوقود وفقا لوصف احد السياسيين الانكليز» ، فهي تحملت الألم والأعباء مرتين: « مرة حين ضربتها صواريخ إيران ووكلائها بالمنطقة وتعطّل اقتصادها؛ ومرة حين طُلب منها تمويل إعادة إعمار من أطلق تلك الصواريخ»، ولم يكن ذلك خطأً عارضاً في إدارة الملف؛ بل هو تصميم هيكلي متعمّد في منطق الإمبراطورية التي تُدير التوازن: ( فالولايات المتحدة لا تريد أطرافاً قوية مستقلة تطمح إلى قيادة المنطقة بنفسها؛ بل تريد أطرافاً كافية القوة للصمود وقابلة للخضوع)، وهو ما يُلخّصه فريدمان بعبارة تنطوي على مرارة بالغة حين يقول: «إن الإمبراطورية غير المتعمدة لا تُريد لأحد أن ينتبه إلى أنه يؤدي دوراً رسمته هذه الامبراطورية بيدها.)

تبقى المسألة الكبرى معلّقة فوق كل هذا التحليل، وهي التي لم تُجب عنها الاستراتيجية الأمريكية ولا المذكرة الموقّعة في جنيف، وهي: (هل يملك العقل السياسي العربي القدرة على قراءة اللعبة الكبرى قبل الاستجابة لفصولها؟ هل سيتعلم يوماً التمييز بين الشريك الذي يُشاور والأداة التي يتم توظيفها؟ وهل ستتحول دول المنطقة من إدارة التوازن بأموالها وأراضيها وأمنها إلى صياغة التوازن بإرادتها واستراتيجيتها وتكتلها؟)، فهذه الأسئلة لا يجيب عنها كيسنجر ولا ميرشايمر ولا بريجنسكي ولا فريدمان؛ لأن الإجابة ليست في مكتبة استراتيجية غربية، بل في قرار سياسي عربي لم يُولد بعد..وصدق المتنبي حين قال:

مَن يَهُن يَسهُلِ الهَوانُ عَلَيهِ ... ما لِجُرحٍ بِمَيِّتٍ إيلامُ.

والله المستعان.


مشاهدات 88
الكاتب قتيبة آل غصيبة
أضيف 2026/06/21 - 4:30 PM
آخر تحديث 2026/06/22 - 1:44 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 74 الشهر 20779 الكلي 15896260
الوقت الآن
الإثنين 2026/6/22 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير