العراق و مضيق هرمز.. إقتصادٌ معلّق بين ثروة النفط و مخاطر الجغرافيا
علي جبار العزاوي
ليس من المبالغة القول إن مضيق هرمز يمثل بالنسبة إلى العراق أكثر من مجرد ممر مائي دولي .
فهو بالنسبة للإقتصاد العراقي أحد المفاتيح التي تحدد مدى قدرة البلاد على تحويل ثروتها النفطية إلى إيرادات مالية وعملة أجنبية ، و لذلك فإن أي إضطراب في حركة الملاحة عبر المضيق لا يبقى محصوراً في المجال الجيوسياسي ، بل ينتقل سريعاً إلى الموازنة العامة و الإنتاج النفطي و الأسواق و الأسعار و النشاط الإقتصادي ، و تزداد حساسية العراق تجاه هذه التطورات ، بسبب طبيعة إقتصاده الريعي وفق بيانات البنك الدولي ، شكّل النفط في عام 2025 نحو 53% من الناتج المحلي الحقيقي للعراق ، ونحو 88% من إيرادات الحكومة.. و91% من صادرات السلع ، و هذه الأرقام تكشف بوضوح أن النفط ليس مجرد قطاع إقتصادي مهم ، بل يمثل العمود الفقري للإقتصاد و المالية العامة في العراق ، عندما يصبح البحر جزءاً من الموازنة المشكلة الإقتصادية الأساسية .
أن النفط العراقي لا يكتسب قيمته من وجوده تحت الأرض فقط ، و إنما من القدرة على إنتاجه و نقله و بيعه في الأسواق العالمية
، و توضح إدارة معلومات الطاقة الأمريكية أن العراق صدّر بحراً في عام 2024 أكثر من 3.2 مليون برميل يومياً من النفط الخام في المتوسط ، و أن جميع هذه الصادرات البحرية خرجت من المحطات الجنوبية في الخليج العربي .
كما أن الطاقة التشغيلية لموانئ التصدير الجنوبية كانت تقدر بنحو 3.4 مليون برميل يومياً في منتصف عام 2024 ، ما يكشف وجود قيود بنيوية حتى قبل إحتساب المخاطر الجيوسياسية ، و هنا تظهر نقطة الضعف الأساسية.. عندما تعتمد دولة ما على النفط بنسبة كبيرة ، و تعتمد صادراتها النفطية البحرية بدرجة كبيرة على منافذ تقع في منطقة جغرافية حساسة ، فإن أي إضطراب في هذه المنطقة يتحول إلى خطر إقتصادي و مالي .
هل أرتفاع أسعار النفط مفيد للعراق..؟؟
قد يبدو الأمر للوهلة الأولى مفيداً للعراق ، فإذا أدى إضطراب مضيق هرمز إلى تقليص المعروض العالمي من النفط ، فمن الطبيعي أن ترتفع الأسعار ، و هذا يعني أن العراق يمكن أن يحصل على سعر أعلى للبرميل ، لكن هذه المعادلة ليست بهذه البساطة..!!
فالعراق لا يحتاج فقط إلى إرتفاع سعر النفط ، بل يحتاج الى أستمرار تصدير النفط
إذا أرتفع سعر البرميل ، بينما بقيت الكميات العراقية المصدرة مستقرة ، فقد تحقق الدولة إيرادات أعلى أما إذا أرتفع السعر بالتزامن مع إنخفاض حاد في الصادرات العراقية ، فإن مكاسب السعر قد لا تعوض خسائر الكمية ، و هذا هو جوهر المعضلة العراقية العراق ، قد يستفيد من أرتفاع أسعار النفط ، لكنه قد يتضرر في الوقت نفسه من تعطيل تصدير النفط ، حيث ان الأزمة تكشف هشاشة الإقتصاد الريعي ، و الأحداث المرتبطة بمضيق هرمز تكشف مشكلة أعمق من مجرد أزمة تصدير مؤقتة..!!
إنها تكشف هشاشة نموذج أقتصادي يعتمد بصورة كبيرة على مورد واحد ففي الإقتصادات المتنوعة ، يمكن لقطاع أو أكثر أن يمتص جزءاً من الصدمة عندما يتعرض قطاع رئيسي للأزمة..!!
أما في الإقتصاد العراقي فإن إنخفاض الإيرادات النفطية ، يمكن أن ينتقل بسرعة إلى المالية العامة ، ثم إلى الإنفاق الحكومي ثم إلى النشاط الإقتصادي ، و لهذا فإن الخطر لا يبدأ عند ناقلة النفط ولا ينتهي عند الميناء ، بل يمكن أن يمتد إلى الرواتب و المشروعات و الإستثمارات و السيولة و النشاط التجاري ، و سوف تحدث صدمة مزدوجة.. النفط و التجارة لا تقتصر تداعيات إضطراب مضيق هرمز على صادرات النفط .
فارتفاع تكاليف النقل
و التأمين البحري يمكن أن يزيد تكلفة إستيراد السلع ، و هو ما قد ينعكس تدريجياً على الأسعار في السوق المحلية ، حيث أن إنخفاض أو أضطراب الإيرادات النفطية من جهة ، إرتفاع تكلفة الإستيرادات من جهة أخرى ، و هذه المعادلة تصبح أكثر حساسية في إقتصاد يعتمد على الأستيراد ، لتلبية جزء كبير من إحتياجاته الإستهلاكية و الإنتاجية ، حيث أن أرتفاع أسعار النفط لا يحل المشكلة ، و من الخطأ الإقتصادي التعامل مع أرتفاع أسعار النفط ، بأعتباره الحل التلقائي لأي أزمة في المنطقة .
فالسعر المرتفع قد يوفر إيرادات إضافية ، لكنه لا يعالج مشكلة إنقطاع طرق التصدير ، و لا يعالج ضعف تنويع الإقتصاد ولا يعوض بالضرورة إنخفاض حجم الصادرات ، و قد أظهرت بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية ، خلال أضطرابات 2026 مدى حساسية إنتاج دول الخليج و العراق ، للأحداث المرتبطة بالمضيق ، فقد قدرت الوكالة أن العراق و السعودية و الكويت و الإمارات و قطر و البحرين ، أوقفوا معاً كميات كبيرة من إنتاج النفط ، نتيجة إضطرابات حركة النفط عبر هرمز ، و هذا يعني أن إرتفاع السعر العالمي ، قد يكون الوجه الآخر لأزمة أكثر خطورة بالنسبة إلى العراق ، من حيث إنخفاض الإنتاج و التصدير .
أمام العراق خياران الأول : أن يتعامل مع كل أزمة على حدة ، أو أن يحول هذه الأزمات إلى فرصة لإعادة بناء إستراتيجية الأمن الإقتصادي ، و الثاني و هو الأكثر أهمية ، فالعراق بحاجة إلى تطوير منافذ بديلة لتصدير النفط ، و توسيع خطوط الأنابيب ، وزيادة الطاقة التخزينية ، و تطوير البنية التحتية للموانئ ، و تحسين كفاءة النقل و الطاقة ، بما يقلل من الإعتماد على منفذ واحد ، وفي هذا السياق ظهرت خلال الأيام الأخيرة تحركات مرتبطة بالبحث عن مسارات بديلة لتصدير النفط العراقي ، بعيداً عن مضيق هرمز... بما في ذلك بحث مسار عبر لبنان و سوريا ، و هو ما يعكس إدراكاً متزايداً لمشكلة الإعتماد على طرق تصدير محدودة ، لكن المسارات البديلة لا يمكن أن تكون حلاً سريعاً أو كاملاً ، فهي تحتاج إلى إستثمارات ضخمة و إتفاقات سياسية و فنية و أمنية ، فضلاً عن بنية تحتية قادرة على إستيعاب كميات كبيرة من النفط ، حيث أن الدرس الإقتصادي الأهم بنسبة للعراق من هذه الأزمة ، أزمة مضيق هرمز لا يتعلق بالنفط وحده ، و إنما بمفهوم المرونة الإقتصادية ، فالإقتصاد القوي ليس الإقتصاد الذي يحقق أعلى الإيرادات في الظروف الطبيعية فقط ، و إنما الإقتصاد القادر على الإستمرار عندما تتعرض البيئة الخارجية للصدمات ، هنا يصبح تنوع الإقتصاد ضرورة و ليس رفاهية والعراق يمتلك فرصاً كبيرة ، يمكن أن تقلل تدريجياً من الإعتماد على النفط ، ومنها الزراعة و الصناعة و السياحة و النقل و الخدمات و الإقتصاد الرقمي و الطاقة المتجددة .
كما أن تطوير القطاع الخاص يمكن أن يخلق مصادر جديدة للدخل و فرص العمل بعيداً عن الإنفاق الحكومي ، النفط ثروة لكنه لا ينبغي أن يكون نقطة ضعف .
حيث أن العراق يمتلك واحدة من أهم الثروات النفطية في العالم ، و هذه الثروة يمكن أن تكون أساساً لبناء إقتصاد قوي و مستدام ، لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الثروة النفطية من وسيلة للتنمية إلى مصدر شبه وحيد ، لتمويل الدولة و مضيق هرمز يضع هذه الحقيقة أمام صانع القرار العراقي بوضوح ، فإذا كان الإقتصاد يتأثر بشدة بمجرد أضطراب ممر بحري خارجي ، فإن المشكلة ليست في المضيق وحده..؟؟
بل في درجة إعتماد الإقتصاد على النفط و على منافذ محدودة لتصديره ..!!
خاتمة....
مضيق هرمز بالنسبة للعراق ليس مجرد قضية جيوسياسية، وإنما قضية إقتصادية و مالية و تنموية أن أستمرار تدفق النفط عبر الممرات البحرية ، يعني أستمرار تدفق الإيرادات إلى الموازنة ، بينما يؤدي اضطراب التصدير إلى أنتقال الصدمة من قطاع الطاقة إلى المالية العامة ، ثم إلى الإقتصاد الحقيقي و لذلك ، فإن حماية الإقتصاد العراقي لا ينبغي أن تقوم على إنتظار أستقرار المنطقة فقط ، بل على بناء أقتصاد قادر على مواجهة عدم الإستقرار ، حيث أن العراق لا يستطيع تغيير موقعه الجغرافي ، لكنه يستطيع تغيير درجة تعرض إقتصاده للمخاطر الجغرافية.
حيث أن هذه يعتبر إنذارا" إقتصاديا" للعراق في تنويع إقتصاده ، و تعدد منافد التصدير و بناء إحتياطيات مالية ، تساهم في تعزيز و رفع مرونة الإقتصاد العراقي في مواجهة مثل هذه الأزمات .