قراءة في مقطع من فصيدةالشاعر ابراهيم البهرزي
مقطع مشبع بالاعتراف من دفتر الظلال....
عزيز جبر الساعدي
يا صديقتي التي كانت تضحك بصوتٍ عالٍ
لقد كنت ِنافذتي على الخفة.
وكنتُ أثقل منك،
أكثر ميلًا إلى الظل.
كنت تمشين في الشارع
كما لو أنه لا يخفي الكمائن.
أما أنا فكنتُ أفتش عن فخاخٍ محتملة
في كل زاوية.
وحين افترقنا
بسبب كلمةٍ صغيرة لم أجرؤ على قولها،
أدركتُ أن الصداقة كائنٌ هشّ،
يموت أحيانًا من نقص الهواء، .
ما زلتُ أسمع ضحكتك
كأنها تأتي من غرفةٍ أخرى
في هذا القلب.
: هذا المقطع من «دفتر الظلال» مشبع باعتراف هادئ، لكنه موجع. قوته ليست في الفراق نفسه، بل في اكتشاف الشاعر أنه كان شريكًا في خسارة الصداقة.
أجمل ما فيه، في رأيي، هو التناقض بين الشخصيتين: هي تمثل الخفة والضحك والثقة بالعالم، وهو يمثل الحذر والظل والبحث الدائم عن الفخاخ. كأن الصديقة لم تكن مجرد إنسانة قريبة، بل كانت «نافذة» يطل منها على حياة أكثر خفة.
والعبارة الأشد كثافة هي:
«بسبب كلمةٍ صغيرة لم أجرؤ على قولها»
فالكلمة الصغيرة هنا تصبح أكبر من الخلاف؛ إنها ترمز إلى الخوف، والعجز عن البوح، وتأجيل ما ينبغي أن يُقال حتى يصبح الصمت سببًا للفقد.
ثم تأتي الصورة الأخيرة:
«ما زلتُ أسمع ضحكتك
كأنها تأتي من غرفةٍ أخرى
في هذا القلب.»
وهي نهاية بالغة الجمال؛ لأن الصديقة لم تعد موجودة في الحياة اليومية، لكنها لم تغادر الذاكرة. أصبحت ضحكتها تأتي من «غرفة أخرى» داخل القلب؛ غرفة مغلقة، لكنها ليست خالية.
إنه نص عن الصداقة حين تتحول من علاقة خارجية إلى أثر داخلي، وعن الإنسان الذي لا يعرف قيمة بعض العلاقات إلا بعد أن يفقدها. والأجمل أن الاعتراف هنا لا يطلب الغفران، بل يكتفي بأن يقول: كنتُ أثقل منك، ولم أعرف كيف أحافظ على نافذتي.