معلّة الأب والإبن
أحمد عبد المجيد
جمعتني جلسة حوارية مع الدكتور حسنين معلة في مكتبه بنادي الصيد، أحد أعرق النوادي الاجتماعية البغدادية، وكرس الحديث بمجمله عن استذكارات حقبة من تاريخ العراق السياسي والبرلماني.
ولعل أول ما تقع عليه عيون زائري معلة في مكتبه، كمية الكتب والمؤلفات التي ترصد تاريخ الحقبة الملكية ودور العوائل والشخصيات الوطنية في تسيير دفتها.
فهو يحرص دائما على التواصل مع المؤرخين والمثقفين لتزويدهم بما يحتفظ به من وثائق او وقائع عاشها شخصياً من خلال والده الراحل (فاضل معلة) الشخصية الوطنية التي تعود جذورها الى أسرة آل معلى الضاربة في عمق قبيلة طي القحطانية.
وبرغم ان معلة الاب، مولود في مدينة النجف، ودرس وترعرع فيها، قبل انتقاله الى بغداد ومزاولته المحاماة، ثم انتخابه عضوا في مجلس النواب الملكي وانخراطه في حزب الاستقلال، ذي النزعة القومية المنفتحة، فأنه يحمل فكراً وطنياً عراقياً شاملاً اسهب في شرح تفاصيله الاجتماعية والسياسية والثقافية، كتاب جديد صدر حديثاً، بعنوان (فاضل معلة – الصوت الوطني في مجلس النواب العراقي جذوره الاجتماعية ونشاطه السياسي 1920-1979).
وتتسم جلسات استذكار هذه الحقبة مع معلة الابن بأنها واقعية موثقة وحية، يمتلك صاحبها الادلة القاطعة بوصفه شاهداً على التاريخ وأميناً في النقل. وقد اتحفنا بالعديد من ذكرياته عن والده واصدقائه، من الجيل الوطني الأول، كفؤاد الركابي الذي كان جيراناً له في منطقة المنصور، وكأسرة الاخوين العقيلي، عبد العزيز وغانم اللذين حكم على أحدهم بالاعدام والثاني بـ15 سنة سجن، خلال محكمة علي هادي وتوت مطلع 1969. ولمعلة الاب، دور مشهود بالوقوف الى جانب حقوق المحكومين، برغم التحديات التي واجهها بعد انقلاب 17-30 تموز 1968 وصعود البعث الى سدة الحكم. وقد نجم عن هذا الموقف حجزه والمحامي حسين جميل في مركز الشرطة من الصباح الى المساء.
كان محامياً جريئاً بما يكفي، بتطوعه للدفاع عن عبد العزيز وشقيقه غانم العقيلي المنحدرين من أسرة موصلية عريقة، وقد اخذ احد كبار المسؤولين في الدولة آنذاك، على فاضل معلة انه شيعي يدافع عن سني وانه نجفي يدافع عن موصلي وانه ملكي يدافع عن جمهوري. ولعلها مفارقة ان ينظر المسؤول في الدولة، الى موقف رجل قارع العبودية وانتصر لحرية الانسان عبر مهنة المحاماة والانخراط في العمل السياسي، هذه النظرة الغريبة ويخضع موجبات الاخوة الوطنية والصداقة الاجتماعية والتفاهم الاخوي الى إثم الطائفية وعقد المناطقيــــة وغيرها.
ومازال معلة الابن، يرسم صورة حية عن منزل الركابي، الذي حضر الرئيس المصري جمال عبد الناصر عقد قران الركابي على خطيبته، في القاهرة. وقال انه كان يشاهد صورة فوتوغرافية بالحجم الكبير، حرص الركابي على وضعها في مدخل المنزل اعتزازاً بواقعة الاقتران، واعتزازاً بأن يكون عبد الناصر أحد شهود الزواج.
ومن حق حسنين معلة ان يعتز بحجم ذكرياته عن هذه الحقبة، برغم ان عمره فيها كان لا يتجاوز 12 عاماً. لانها شكلت لديه بواكر الوعي الوطني والانسجام السياسي بين مكونات الطيف الحزبي العراقي. ويقول ان القومي والشيوعي والبعثي والجمهوري والملكي كانوا جميعاً متحابين في تفاهماتهم وجلساتهم وفي علاقاتهم العائلية، وكانوا يفهمون حدود النقاش وسقوف الاختلاف، ولذلك وضعوا تقاليد ودية في اللقاءات. ففي كل يوم اربعاء – مثلاً – حرص والد حسنين، على دعوة (المختلفين) على مائدة غداء قوامها السمك المسكوف. ولعله كان يدرك ان هذه الوجبة الغذائية (السمكية) تحمل سحراً يذيب كل مظاهر التوتر أو سوء التفاهم وتردم فجوات السياسة التي يزرع في أرضها المغرضون، العداوة والبغضاء والتنافس غير النزيه.
ان معلة الابن، ذاكرة عراقية تزدهر بالقصص والوقائع التي مازال الباحثون والكتاب بحاجة الى تفاصيلها، لتصحيح بعض المسارات التاريخية، التي فهمت خطأ او تم تقويمها دون ادلة وبراهين مادية، ذلك ان متغيرات وتناقضات الواقع السياسي العراقي، توجب اعادة قراءة معظم ابعادها وخفاياها. ولعلني وجدت في حديث حسنين عن والده فاضل معلة، المولود في بيئة ذات طابع ديني وثقافي متنوع، خير حافز لاطلاق دعوتي لأعادة كتابة تاريخ الحقبة الملكية وما تلاها، بكل انصاف.