الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
نظرة على مبادئ التخطيط الحضري

بواسطة azzaman

‏العاصمة بغداد تختنق (1)

نظرة على مبادئ التخطيط الحضري

همام الشريفي

 

مقدمة:

‏عانت مدينة بغداد ولا زالت تعاني من انفجار سكاني متسارع لا يتناسب مع البنى الفوقية والتحية لهذه المدينة.  ومما زاد المشكلة تعقيدا هو غياب السلطات البلدية الضابطة لمراحل التصميم والتعاقد والتنفيذ والصيانة وإعادة التاهيل على حد سواء. لقد أصبحت هذه المدينة مركز جذب كبير للقوى العاملة والعوائل من باقي محافظات العراق، إضافة إلى نزوح ملحوظ من المناطق الريفية إلى المجمعات الحضرية وذلك بدوافع تتعلق بتوفر فرص العمل والتعليم بمراحله المختلفة والتطبيب المتخصص والخدمات العامة الأخرى. ويكفي القول ان هذه المدينة كانت في عام 2003 تستوعب قرابة 5.7 مليون نسمة والان تجاوز الرقم 8.3 مليون نسمة. واحدة من نتائج هذا النزوح السكاني المتعاظم هو اكتظاظ شوارع العاصمة بمستويات غير مسبوقة في حركة المرور وما يتبعها من شلل للعجلة الاقتصادية وتوفير الخدمات إضافة إلى تشكيل اخطار كبيرة الأرواح والممتلكات.

مبادئ الحركة

‏لا تختلف بغداد عن بقية المدن في المحيط الإقليمي في موضوع زحمة المرور بما يخص المركبات المتحركة بين مناطقها، ولكنها تتميز باختناقات مرورية شديدة للغاية بسبب ضعف ضوابط المرور وعدم الالتزام بالإشارات الضوئية عند التقاطعات وقيادة الكثيرين من سكنتها لمركبات غير مرخصة بالنسبة لمواصفات الأمان او كونهم لا يمتلكون أجازات سوق أصولية. مما يزيد المشهد تعقيداً هو تجاوز الباعة المتجولين على الأرصفة المخصصة للسابلة، مع وضع بعض المولدات الكهربائية الأهلية على المساحات الخضراء المتوفرة والنادرة ضمن الأحياء السكنية، وهذا يجعل حركة سكنة المدينة في ممرات آمنة شبه مستحيلة، ناهيك عن الصعوبة البالغة التي يواجهها أصحاب العوق البدني او اصحاب الحاجات الخاصة على الكراسي المتحركة او الاطفال الجالسين على عربات الدفع بصحبة عوائلهم، وخصوصا في مراحل الانتقال بين نهر الشارع وحافات الأرصفة المرتفعة حيث تنعدم المنحدرات المخصصة لهذا الانتقال.

‏الخطوط البيضاء

 لا يخفى على القارئ أن تصاميم خطوط مسالك المرور في الشوارع والتي تعرّف مناطق حظر او ترخيص او تنظيم وقوف المركبات، وخطوط الدلالة الموازية لحافات الأرصفة (لمنع او اجازة الوقوف)، والتعريف البصري للمطبات الاصطناعية، تساهم في موضوع تحديد أولوية الحركة والوقوف والأسبقية وعدم التجاوز على حقوق الآخرين وتنظيم السرعة، دون تعريض مستخدمي الشوارع من السواق او السابلة إلى أنواع الشد العصبي والتوتر النفسي والمنازعات ولاعطاء كل ذي حقٍ حقه.  ‏أن مصطلح الخطوط البيضاء لا يعني التقيد باللون الأبيض حيث تستخدم ألوان أخرى مثل الأصفر والأحمر والأزرق لإعطاء دلالات مرورية محددة وحسب بروتوكولات الدول المعنية، وهذا ما نجده مطبقاً في مدن كثيرة حول العالم.  من الملفت للنظر أنه يتم تدريس طلاب المدارس الابتدائية في الدول المتقدمة الإشارات المرورية وتصاميم الخطوط البيضاء للتعريف بمسالك المرور الآمن من باب زيادة الوعي العام وضمان التزام الأفراد بهذه الضوابط طواعية في سن مبكرة.

التلوث الجوي

يعلم القارئ جيدا ان عوادم السيارات تنتج مجموعة من الغازات المضرة بالصحة العامة ومنها أول أكسيد الكربون وثاني أكسيد الكربون وأول أكسيد النيتروجين وثاني أكسيد النيتروجين وثاني أكسيد الكبريت نتيجة استهلاك وقود محركات الاحتراق الداخلي.  بناء على هذا الأمر، تشير أعداد كبيرة من الدراسات البحثية والإحصائية إلى أن معدل الإصابة بأمراض الربو وأمراض سرطان الرئة يزداد بصورة مضطردة في مراكز المدن التي تشتمل على أعداد كبيرة من المركبات والتي غالبا ما تكون بمواصفات بيئية متردية من ناحية العوادم المنتجة. بالمقابل تضع كثير من الدول مقاييس مرتفعة في مواصفات المركبات الداخلة إلى مراكز مدنها وتفرض غرامات مرورية على بعض المركبات مع تشجيع استخدام وسائط النقل العام باجور رمزية والتي غالبا ما تكون ذات مواصفات بيئية نظيفة أو خضراء وتوفر متطلبات الراحة في التكييف الهوائي والأمان لراكبيها.  ‏تشير إحصائيات غير رسمية إلى وجود اكثر من 3.8 مليون مركبة داخل العاصمة بغداد إضافة إلى إعداد كبيرة من مركبات توك توك والدراجات البخارية، وكانت هذه الإحصائيات مبنية على مسح ميداني لعينات محددة داخل مدينة بغداد.  يعتقد خبراء المرور أن قرابة 40 بالمئة من مركبات العراق متواجدة في العاصمة بغداد.

استخدام التكنولوجيا

‏لعل الكثير يعلم بأن استخدام التكنولوجيا في تحديد عدد المركبات المتواجدة في مراكز المدن المكتظة أصبح ظاهرة عالمية وملحة في دول الاقتصاديات المتقدمة والنامية على حد سواء.  ان وجود الكاميرات لمراقبة لوحات تسجيل المركبات وفرض رسوم محددة أثناء دخول أصناف المركبات في أوقات الذروة وغيرها واجراء ربط بالبيانات التعريفية بين لوحات تسجيل المركبات والمواصفات البيئية لها وتعيين ضرائب إضافية لصيانة الشوارع المستقبلة للأحمال الثقيلة وغيرها، أصبحت استراتيجية أساسية في تنظيم إعداد المركبات من جهة ومواصفاتها في البصمة الكاربونية من جهة اخرى. ظهرت مؤخرا اختصاصات هندسية جديدة تتعلق بما يسمى تنظيم «الموجة الخضراء» للإشارات الضوئية والتي تكون موزعة عند تقاطعات الطرق، وهذا المفهوم يستند إلى تحديد سرعة حركة المركبات في الشوارع الخطية المتلاحقة بما يؤمن حركة متسلسلة ومتواصلة على امتداد هذه الشوارع بدون توقف او اختناقات. يتم تبادل الأدوار مع الشوارع المتقاطعة الأخرى ضمن برمجة دقيقة تسيطر عليها اجهزة الحاسوب المرتبطة بكاميرات المراقبة وحسب أوقات الذروة وأيام العمل الأسبوعي.

التوصيات

‏استنادا إلى خبرتي في تصاميم المشاريع الهندسية والتخطيط الحضري والتي امتدت قرابة أربعة عقود في إقليم جنوب شرق آسيا وفي المملكة المتحدة، أستطيع أن اسلط الضوء على بعض المقترحات التي تساهم فعليا في تخفيف مشكلة الاختناقات المرورية في بغداد.  من هذه المقترحات هو زيادة وسائط النقل العام بالحافلات ذات المواصفات البيئية العالية لتقليل الاعتماد على المركبات الخاصة، على ان تتم جدولة هذا الاستخدام لصالح موظفي القطاع العام والخاص وطلبة التعليم الجامعي. من خلال مشاهداتي في مدن جنوب شرق اسيا، قام مخططو المدن بتحويل معظم الشوارع الرئيسية إلى «شرايين حركية» باتجاه واحد وتعيين مسلك مروري واحد بالاتجاه المعاكس لاستخدامات النقل العام ومركبات الطوارئ.  أتاح هذا التصميم إمكانية تخصيص مواقف عميقة للمركبات الخاصة (مائلة بزاوية 45 باتجاه حافة الرصيف) واتاح الفرصة لتشجيع استخدام الحافلات العامة توفيرا للكلفة والجهد والوقت المخصص للرحلة.  تتبدل عادةً الفترات الزمنية الفاصلة للإشارات الضوئية في ساعات الذروة عنها في أوقات اخرى لصالح تحقيق ما يسمى «بالموجة الخضراء» كما أوردته سابقا.

ضمن هذه المقترحات يجب حصر أنواع المركبات داخل العاصمة بالكهربائية والهجينة مع فرض رسوم عالية على المركبات ذات محركات الاحتراق الداخلي.  نحن نأمل تعاون أمانة العاصمة في توفير مساحات مفتوحة ذات أكشاك نظامية للباعة المتجولين ومنع إقامة المشاتل على ارصفة السابلة الممــــــــــــــلوكة أصلا لسلطة البلدية، لان ذلك يعرض أفراد المجتمع بمختلف فئاتهم العمرية لخطر الدهس بالمركبات وهم غير قادرين على السير في ممرات آمنة

 


مشاهدات 46
الكاتب همام الشريفي
أضيف 2026/09/02 - 3:59 PM
آخر تحديث 2026/09/03 - 12:56 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 86 الشهر 3597 الكلي 16136118
الوقت الآن
الخميس 2026/9/3 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير