الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
السجين بعد الإفراج.. الإعادة إلى المجتمع أم الجريمة؟

بواسطة azzaman

السجين بعد الإفراج.. الإعادة إلى المجتمع أم الجريمة؟

حيدر جاسب عريبي

 

باحث دكتوراه في القانون العام. مختص في الشؤون القانونية وحقوق الانسان

تنتهي العقوبة بصدور قرار الإفراج عن السجين، لكن رحلة التحديات الحقيقية تبدأ في اليوم الذي يغادر فيه أسوار المؤسسة الإصلاحية. فذلك الإنسان الذي أمضى سنوات من حياته في تنفيذ حكم قضائي، وخضع لبرامج إصلاح وتأهيل، يجد نفسه فجأة أمام مجتمع لا يزال ينظر إليه بعين الريبة، وسوق عمل يغلق أبوابه في وجهه، وبيئة اجتماعية قد لا تمنحه فرصة لإثبات أنه تغير بالفعل. وهنا يبرز سؤال ينبغي أن يشغل صانع القرار قبل غيره: هل نعيد هذا الإنسان إلى المجتمع، أم ندفعه – من حيث لا نشعر – إلى العودة للجريمة؟

حماية مجتمع

إن السياسة الجنائية الحديثة لم تعد تنظر إلى العقوبة على أنها وسيلة للانتقام، بل أصبحت تنظر إليها باعتبارها وسيلة لحماية المجتمع من خلال إصلاح الجاني وإعادة تأهيله. ولذلك جاء قانون إصلاح النزلاء والمودعين رقم (14) لسنة 2018 ليؤكد أن الإصلاح وإعادة التأهيل يمثلان الهدف الأساس للمؤسسات الإصلاحية، كما أن المادة (37) من دستور جمهورية العراق رسخت مبدأ احترام كرامة الإنسان، وهو مبدأ لا ينتهي بانتهاء العقوبة، بل يستمر في مرحلة العودة إلى المجتمع.

غير أن الواقع يكشف وجود فجوة واضحة بين الإصلاح داخل المؤسسة الإصلاحية والإدماج خارجها. فبعد انتهاء مدة المحكومية، تنتهي غالباً مسؤولية المؤسسات الرسمية، بينما تبدأ معاناة المفرج عنه في البحث عن عمل، وإعادة بناء أسرته، واستعادة ثقة المجتمع. وفي غياب برامج الرعاية اللاحقة، تتحول هذه التحديات إلى بيئة خصبة للعود إلى الجريمة، وهو ما يعني ضياع الجهود الإصلاحية التي بُذلت داخل السجن.

ولا تقتصر الخسارة هنا على الفرد، بل تمتد إلى الدولة والمجتمع. فكل حالة عودة إلى الجريمة تعني فتح تحقيق جديد، وإجراءات قضائية جديدة، ونفقات إضافية تتحملها الخزينة العامة، فضلاً عن ضحية جديدة كان بالإمكان تجنبها لو نجحت عملية إعادة الإدماج.

ومن هذا المنطلق، فإن إعادة الإدماج المجتمعي يجب أن تُعامل بوصفها استثماراً في الأمن الوطني، لا برنامجاً اجتماعياً هامشياً. فالدول التي نجحت في خفض معدلات العودة إلى الجريمة لم تحقق ذلك بزيادة أعداد السجون، وإنما بتطوير برامج الرعاية اللاحقة، وتوفير فرص العمل، وإشراك المجتمع في عملية الإصلاح. ولعل من الضروري أن تتبنى الحكومة العراقية برنامجاً وطنياً لإعادة إدماج السجناء بعد الإفراج عنهم، تشترك في تنفيذه وزارة العدل، ووزارة العمل والشؤون الاجتماعية، ووزارة الداخلية، ومجلس القضاء الأعلى، بالتعاون مع القطاع الخاص والحكومات المحلية. ويجب أن يتضمن هذا البرنامج التدريب المهني، والدعم النفسي والاجتماعي، والمساعدة القانونية، والتشغيل، ومتابعة المفرج عنهم خلال السنوات الأولى من اندماجهم.

كما أن منظمات المجتمع المدني تستطيع أن تؤدي دوراً محورياً في هذا المجال من خلال تأسيس مراكز متخصصة للرعاية اللاحقة، تقدم خدماتها للمفرج عنهم وأسرهم، وتسهم في إزالة الوصمة الاجتماعية، وبناء جسور الثقة بينهم وبين المجتمع. ويقع على عاتق وسائل الإعلام مسؤولية نشر ثقافة “الفرصة الثانية”، فيما تستطيع المؤسسات الدينية ورجال الدين ترسيخ قيم العفو والإصلاح والتكافل، بما يعزز قبول المجتمع لمن أنهى عقوبته وسدد دينه للقانون.

سوار الكتروني

وفي الوقت نفسه، فإن مراجعة السياسة العقابية أصبحت ضرورة ملحة في ظل ما تشهده المؤسسات الإصلاحية من ضغوط متزايدة. فالعديد من الدول اتجهت إلى تطبيق العقوبات والتدابير البديلة، وفي مقدمتها السوار الإلكتروني، الذي يسمح بتنفيذ بعض الأحكام خارج السجن مع بقاء المحكوم عليه خاضعاً للرقابة القضائية. وقد حققت هذه التجربة نتائج إيجابية في فرنسا.

 كما اعتمدتها الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية في إطار تحديث منظومة العدالة الجنائية، الأمر الذي أسهم في الحد من الاكتظاظ، وخفض النفقات، والحفاظ على الروابط الأسرية للمحكوم عليهم. وإلى جانب ذلك، فإن التوسع في تطبيق الإفراج الشرطي وفق ضوابط قانونية دقيقة، وربطه ببرامج التأهيل والمتابعة، يمثل خطوة مهمة لتحقيق التوازن بين حماية المجتمع وإعادة إصلاح المحكوم عليه، ويمنح السجين حافزاً حقيقياً للالتزام ببرامج الإصلاح داخل المؤسسة الإصلاحية.إن المجتمع لا يقاس بقدرته على معاقبة المخطئ فحسب، بل بقدرته على مساعدته في عدم تكرار الخطأ. فالسجين الذي يعود مواطناً صالحاً هو نجاح للدولة وللقضاء وللمؤسسة الإصلاحية وللمجتمع بأسره، أما السجين الذي يعود إلى الجريمة فهو دليل على أن منظومة الإصلاح لم تكتمل.

ولهذا، فإن مستقبل السياسة الجنائية في العراق ينبغي أن يُبنى على رؤية تتجاوز إدارة السجون إلى إدارة الإصلاح المجتمعي، لأن بناء الإنسان أقل كلفة من بناء السجون، وإعادة الأمل إلى المفرج عنه أكثر جدوى من انتظار عودته إلى قاعة المحكمة مرة أخرى. فالعدالة لا تبلغ غايتها عند إغلاق باب الزنزانة، وإنما عندما يُفتح باب المستقبل أمام إنسان اختار أن يبدأ من جديد.


مشاهدات 51
الكاتب حيدر جاسب عريبي
أضيف 2026/09/02 - 3:58 PM
آخر تحديث 2026/09/03 - 12:56 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 85 الشهر 3596 الكلي 16136117
الوقت الآن
الخميس 2026/9/3 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير