الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الإفلاس القلقي.. معركة التصحيح وإنكشاف جراثيم الطائفية

بواسطة azzaman

الإفلاس القلقي.. معركة التصحيح وإنكشاف جراثيم الطائفية

عباس التميمي

 

 

في خضم اللحظة التاريخية الدقيقة التي يعيشها العراق اليوم، حيث تُعاد هندسة مفاصل الدولة، وتُفتح ملفات الفساد التي ظلت لعقود عصيّة على المساءلة، ويُشرع في استرداد أموال الشعب المنهوبة، يبرز مشهد موازٍ لا يقل خطورة عن سرقة المال العام، بل يفوقه في تداعياته لأنه يستهدف نسيج المجتمع ذاته. ذلك المشهد يتمثل في ظاهرة «الإفلاس القلقي»، وهو إفلاس أخلاقي وفكري ووطني يصيب فئةً من السياسيين الفاشلين وأذرعهم الإعلامية، الذين لم يعودوا يجدون منفذاً للنهب، فقرّروا تحويل خيباتهم إلى حروبٍ طائفية مدمّرة. هؤلاء لا يعرفون من الوطنية إلا اسمها، ولا يدركون من العراق إلا ما يمكن استغلاله ونهبه، وما إن تُسد في وجوههم منافذ الفساد وتُغلق أمامهم أبواب السرقة، حتى يتحولوا إلى آلة هدامة تعمل على زعزعة الاستقرار المجتمعي، بإثارة النعرات الطائفية المقيتة، والتشكيك بكل منجز وطني، ومحاولة تدمير كل ما هو موحد في هذا البلد، مستغلين جرثومة الطائفية المقيتة كسلاحٍ أخيرٍ لإجهاض أي مشروع وطني قادم.

إن مصطلح «الطابور الخامس» لم يعد غريباً على المعجم السياسي العراقي، لكن المفارقة أن من كانوا يعملون في الخفاء والتضليل باتوا اليوم يتحركون بكل وقاحة في العلن. يشير المصطلح، كما عرّفه الجنرال الإسباني إيميليو مولا خلال الحرب الأهلية، إلى الجماعات التي تعمل على محاصرة الدولة من الداخل بالتواطؤ مع قوى خارجية. ولكن في العراق المعاصر، لم يعد هذا الطابور خامساً بل أصبح أولاً في خط الدفاع عن الفساد، متخفياً وراء أردية الدين والطائفة، ومستخدماً خطابات الكراهية التي تسمم القلوب وتفرق الصف الوطني الواحد. إنهم بمثابة جراثيم تغزو الجسد العراقي الواحد، تحاول أن تحوّل التنوع الديني والمذهبي من مصدر ثراء حضاري إلى نقطة ضعف تفتيتية، لأنهم يدركون أن العراق الموحد القوي لا يخدم مشاريعهم الاستعمارية الجديدة، التي تهدف بالأساس إلى إبقاء البلد في حالة تخلف دائمة، وتصدير ثرواته إلى جهاتٍ خارجية تسعى لإدامة التبعية والضعف، ومنع توفير أبسط متطلبات الحياة للعراقيين من ماء وكهرباء وصحة وتعليم، كي تبقى الشعوب غاضبة ومشتتة، وأسهل في السيطرة عليها.

معادلة صعبة

في المقابل، وقفت الحكومة العراقية أمام معادلة صعبة، لكنها مضت قدماً في تنفيذ عملية تصحيح تاريخية تعهدت بها. لم تكن هذه العملية مجرد إجراءات روتينية، بل هي حرب وجودية ضد خزائن اللصوص، تهدف إلى تصفية العقود المظلمة واسترجاع أموال الشعب التي هُرّبت في صفقات وهمية وعقود مشبوهة على مدى عقود طويلة. لقد كشفت التقارير الأولية أن حجم الأموال المنهوبة من العراق يقدر بمئات المليارات، بل تريليونات الدنانير، وهي أموال كان يفترض أن تتحول إلى مدارس ومستشفيات وجسور وطرق، وأن توفر أبسط متطلبات الحياة الكريمة. لكن عصابات الفساد، التي نسجت شبكاتها مع أيادٍ داخلية وخارجية، حوّلت هذه الثروات إلى أرقام في حسابات بنكية خارجية، تاركةً الشعب العراقي يعاني من تردٍّ في الخدمات رغم امتلاك البلاد ثرواتٍ هائلة.

واليوم، مع استرداد جزء ملموس من هذه الأموال واستعادة الأصول المنهوبة، بدأت معالم الإصلاح الاقتصادي تلوح في الأفق. تسهم هذه الأموال المعادة في دعم الموازنة العامة، وتمويل مشاريع البنى التحتية المتوقفة، وتخفيف الأعباء عن كاهل الخزينة الوطنية، وإعادة الأمل إلى الملايين الذين فقدوا الثقة بمستقبلهم. هذا الإنجاز النوعي، الذي يُعد انتصاراً للشارع العراقي على قوى الفساد والنهب، هو بالضبط ما أزعج الطابور الخامس وأحدث شرخاً عميقاً في جدار مشاريعهم، فكان رد فعلهم الطبيعي هو العودة إلى السلاح الأسهل والأكثر تدميراً: إشعال نار الطائفية من جديد.

وهنا يطرح المرء سؤالاً مشروعاً: لماذا يتجه هؤلاء تحديداً نحو الطائفية رغم علمهم اليقيني بدمارها؟ والجواب أن الطائفية هي «أسهل الجراثيم» التي يمكن توظيفها لتدمير أي مجتمع، لأنها تحتك مباشرة بالوجدان الديني للبسطاء، وتستغل المقدسات لتمرير الأجندات السياسية الرخيصة، وتحتاج إلى أقل جهد لإثارة الفتنة مقارنة بأي عمل تخريبي آخر. ليست الطائفية وليدة اللحظة في العراق، بل هي مرض قديم جرى استيراده وتغذيته من قبل قوى خارجية، خصوصاً بعد الاحتلال الأميركي، حين تحولت إلى ظاهرة سياسية ومنظومة محاصصة راسخة جعلت من الهوية المذهبية بطاقة دخول إلى السلطة، وكرّست التشرذم كأداة للحكم. لكن ما يفعله الطابور الخامس اليوم هو استغلال هذا الإرث المؤلم، وإعادة خلط الأوراق في وقتٍ نحن بأمسّ الحاجة فيه إلى التكاتف والتوحّد لمواجهة التحديات المناخية والاقتصادية والإقليمية الكبرى. إنهم يتغافلون عن حقيقة ثابتة في تاريخنا، وهي أن العراق لم ينهض في أي من عصوره الذهبية إلا حين كان موحداً تحت راية وطنية جامعة، وأن كل مراحل انحداره التاريخية ارتبطت بلحظات التشرذم والانقسام الطائفي والمذهبي، التي جعلته فريسة سهلة للغزاة والمستعمرين.

إن السؤال الأكثر إلحاحاً الذي يجب أن يُطرح بكل قوة في وجوه هؤلاء الجراثيم هو: ألا يعلمون أن العراق هو أول البلدان التي احتضنت كل المدارس الفكرية والأديان والمذاهب، وأنه كان ولا يزال ملتقى للثقافات المختلفة؟ التاريخ خير شاهد على ذلك؛ ففي بغداد التي كانت عاصمة الخلافة العباسية ومنارة الدنيا، التقت ثقافات الأمم وتلاقحت الأفكار، وتأسست المدارس الفقهية على اختلاف مشاربها، والمدارس الفلسفية والعلمية التي أضاءت للعالم قروناً مظلمة. كانت مكتبات بغداد، وخصوصاً بيت الحكمة، تصل إلى أقصى بقاع الأرض، تحمل علوم اليونان والهند وفارس، ويتم ترجمتها وإضافة الجديد عليها، في مشهد حضاري فريد لم تشهد الإنسانية له مثيلاً، حتى إن المؤرخين يؤكدون أن حركة الترجمة في العصر العباسي كانت الأضخم في التاريخ كله. هذا الإرث العظيم والمشرف هو ما يحاول الطابور الخامس طمسه وتشويهه اليوم، عبر تقديم صورة نمطية مشوهة عن العراق وكأنه مجرد ساحة لصراع مذهبي ضيق لا يعدو أن يكون نتاج عقود من السياسات البائسة، متناسين أن التنوع الديني والمذهبي والعرقي كان الدافع الأقوى لحضارة العراقيين، ولم يكن أبداً سبب ضعفهم، بل كان سر خلودهم وتفوقهم على الأمم الأخرى. فهل يجهل هؤلاء أن تاريخ العراق هو تاريخ التسامح المطلق والتعايش الإنساني الفريد؟ أم أنهم يعلمون ذلك تماماً، لكن مصالحهم الشخصية وأجنداتهم الخارجية تقتضي إنكار هذه الحقيقة وتزييفها لخدمة مشاريعهم القلقة التي لا تستقيم إلا في ظل الفوضى والجهل؟

تشخيص دقيق

في الحقيقة، إن مصطلح «الإفلاس القلقي» ليس مجرد شعار عابر نطلقه على من يعانون تشتتاً نفسياً أو خوفاً من المستقبل، بل هو تشخيص دقيق لحالة الهستيريا الجماعية التي تعيشها فلول الفساد حين يرون مشاريع الدولة تنهض، وحين يكتشفون أن أيام النهب والابتزاز والسيطرة على القرار أصبحت معدودة وتلفظ أنفاسها الأخيرة. هم يعيشون قلقاً وجودياً حقيقياً، لأن استقرار العراق يعني نهاية عصر الفوضى الخصبة لصفقاتهم، وإفشاء مشاريعهم الخبيثة التي كانت تقوم على استمرار التشرذم وضعف الدولة، ويمثلون حالة من الإفلاس القلقي الذي يجعلهم يصرخون بصوت عالٍ كلما تحقق إنجاز، ليس لأنهم يريدون الخير للوطن، بل لأن كل إنجاز يقترب منهم كالسيف من رقابهم. تتوالى التحذيرات من مسؤولين أمنيين وسياسيين عراقيين، يؤكدون أن أمن العراق واستقراره يمثلان خطاً أحمر لا يمكن التهاون معه، وأن الأجهزة الأمنية والقضائية ستتخذ إجراءات حازمة بحق كل من يحاول إثارة النعرات الطائفية أو نشر خطاب الكراهية، مهما كان موقعه أو نفوذه. لكن السؤال الأعمق الذي يبقى عالقاً في الأذهان: لماذا يصر هؤلاء على تدمير وطنهم الذي لم يبخل عليهم بثرواته وموارده؟ الإجابة تكمن في أن وطنهم بالنسبة لهم ليس أكثر من سلعة للبيع والشراء، ومشروعهم لا يقوم على بناء دولة، بل على استمرار انهيارها لصالح قوى خارجية تدفعهم من الخلف.

إن العراق اليوم، بإرادة شعبه العظيم وقيادته المخلصة، يثبت أنه أقوى من كل محاولات التفريق والتشظي، وأن وحدته الوطنية كانت ولا تزال السد المنيع الذي تحطمت عليه كل مؤامرات التقسيم والتدمير على مر العصور. ولكن اليقظة وحدها ليست كافية؛ بل يجب أن ندرك جميعاً كعراقيين، من مختلف أطيافنا ومذاهبنا، أن المعركة الحقيقية التي نخوضها اليوم ليست معركة أموالٍ فقط، بل هي معركة وعي وفكر وهوية قبل أي شيء آخر. إنها معركة استعادة الروح العراقية الأصيلة التي تقوم على التآخي والتعاضد، واستئصال جراثيم الطائفية التي تحاول النيل من عزيمتنا. في ختام هذه المراجعة، لا بد من التأكيد على أن تيارات الإفلاس القلقي مهما علا صوتها وضجيجها، ومهما استخدمت من أدوات التضليل والتزييف، فإنها ستبقى مجرد هامش عابر في سجل الانتصارات الكبيرة التي يحققها العراقيون بصبرهم وتضحياتهم. لا يمكن لأي جرثومة طائفية، سواءً كانت صغيرة أم متحالفة مع جهات خارجية، أن تنال من عمق النسيج الوطني العراقي الذي تشكل عبر آلاف السنين من التعايش والتسامح. علينا جميعاً أن نطوي صفحة الخطاب المسموم، وأن نعمل معاً على إحياء روح بيت الحكمة مرة أخرى، وأن نصنع عراقاً قوياً موحداً لا يُهزم، يعيد إحياء إرثه الحضاري، ويظل كما كان دائماً: منارة للعلم والتسامح، ومقبرة لكل مشاريع التفرقة والنهب، وحصناً منيعاً يستوعب تنوعه بكل فخر واعتزاز. فلنحترس من القلقين المفلسين، ولنصنع مستقبلاً يليق بعراقنا الخالد، فهذه هي الرسالة التي يجب أن تصل إلى كل من تسوّل له نفسه النيل من وطننا الغالي، وإلا فسيظل الإفلاس القلقي عنوانهم الأبدي في صحائف التاريخ.

 


مشاهدات 54
الكاتب عباس التميمي
أضيف 2026/09/05 - 12:41 AM
آخر تحديث 2026/09/05 - 1:53 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 144 الشهر 6829 الكلي 16539349
الوقت الآن
السبت 2026/9/5 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير