نهر خريسان لا يعرف الطائفية
حامد الضبياني
هناك أشياء في العراق لا يجوز أن تدخلها الطائفية مهما اشتد جنون السياسة، والماء أولها، لأن الماء حين يمر من الأرض لا يسأل صاحب البستان عن مذهبه، ولا يتوقف عند اسم العشيرة، ولا يفرّق بين بيتٍ يسكنه هذا وبيتٍ يسكنه ذاك؛ الماء يعرف طريقه إلى الحياة، ومن يحاول أن يحوّل مجراه إلى هوية ضيقة إنما يحوّل النعمة إلى سلاح، والنهر إلى حدود، والوطن إلى حصص. ومن هنا تبدأ الحكاية التي تستحق أن تُفتح بلا خوف حول نهر سارية، المعروف محلياً بخريسان، ذلك الشريان الذي يبدأ ضمن منظومة الصدور الإروائية ويمتد عبر مناطق متعددة وصولاً إلى ناحية بهرز وبزايزها، وقد عُرف تاريخياً بأنه مورد أساسي للأراضي والبساتين والقرى الواقعة على امتداده.السؤال اليوم ليس من يسكن عند رأس النهر، ولا من يملك أرضاً على ضفته الأولى، ولا من كانت له قدرة أكبر على الوصول إلى الماء، وإنما السؤال الذي يجب أن تضعه الدولة أمام نفسها هو: هل أصبح الماء الذي خلقته الطبيعة ويديره القانون ملكاً لمن يستطيع التحكم بمفتحه، أم بقي حقاً مشتركاً لكل منطقة تقع ضمن منظومته الإروائية؟ وإذا كان نهر خريسان يمر في قرى ومناطق متعددة، فبأي منطق يُروى مكان ويُترك مكان آخر للعطش؟ وبأي قانون يستطيع فرد أو مجموعة أو جهة أن تتصرف بالماء وكأنه إرث عائلي انتقل إليها مع الأرض؟..لقد أثبتت الدراسات أن نهر سارية، أو خريسان، ليس مجرى صغيراً معزولاً عن حياة الناس؛ فقد تناولت دراسات جامعية نوعية مياهه في مواقع متعددة على امتداد مجراه، وصولاً إلى نهايته في ناحية بهرز، كما وثقت تقارير سابقة أن جفافه ضرب مناطق واسعة من ديالى وأصاب أراضي زراعية وبساتين في حوضه. وهذا يعني أن القضية أكبر من شكوى عابرة لفلاح أو قرية؛ إنها قضية إدارة مورد مائي يمس حياة الناس وزراعتهم وبيئتهم واستقرارهم الاجتماعي.
خطاب سياسي
وحين يقول أهل بزايز خريسان إن الماء لا يصل إليهم، فواجب الدولة ألا ترد عليهم بخطاب سياسي، ولا أن تطلب منهم الصمت، ولا أن تضع أمامهم شماعة الإرهاب إلى الأبد. لقد كانت الظروف الأمنية سبباً حقيقياً في تعطيل الوصول إلى مناطق الصدور ومحيطها خلال سنوات سابقة، لكن الأخبار المحلية في عام 2026 تحدثت عن عودة المنطقة إلى النشاط واستقرارها الأمني وعودة تدفق المياه إلى الأنظمة التي تغذي خريسان وغيرها. ولذلك فإن استمرار أي مشكلة مائية اليوم يحتاج إلى تفسير إداري وفني وقانوني واضح، لا إلى تبرير أمني جاهز.وإذا كان هناك تجاوز على النهر، فالتجاوز لا يصبح مشروعاً لأن صاحبه قوي، ولا يصبح قانونياً لأنه يقع قرب السدة، ولا تتحول الأرض إلى ملك للماء بمجرد أن تكون قريبة من منبعه. وإذا كان هناك من يغلق مجرى أو يحرفه أو يستولي على حصة مائية ليست له، فالقانون وحده يجب أن يتدخل. وإذا كانت المشكلة في تصميم الناظم أو في كري المجرى أو في الانسدادات أو التجاوزات أو سوء إدارة الحصص المائية، فلتعلن الجهات المختصة ذلك أمام الناس، ولتقدم الأرقام والخرائط والمناسيب وخطة الإطلاق، حتى يعرف المواطن أين ضاع الماء ومن المسؤول عن ضياعه.أما أن تتحول المسألة إلى همس طائفي، فيقال إن منطقة حصلت على الماء لأنها تنتمي إلى طائفة، أو إن منطقة أخرى حُرمت منه للسبب نفسه، فهذه أخطر من الجفاف ذاته؛ لأن الجفاف يقتل الأرض، أما الطائفية فتقتل الإنسان وتزرع في ذاكرته اعتقاداً بأن الدولة لا تراه إلا من خلال مذهبه. وهنا يصبح النهر شاهداً على مرض أكبر من العطش، مرض يجعل العراقي يرى الماء الذي يجري أمامه حقاً للآخر لا حقاً له.لا أتهم عشيرة، ولا أتهم طائفة، ولا أتهم شخصاً بعينه، لأن الاتهام مسؤولية لا يملكها الكاتب من دون وثائق، لكنني أطالب بتحقيق واضح: أين تذهب مياه خريسان؟ ما الحصة المقررة لكل منطقة؟ ما الأعمال التي نُفذت في مجراه؟ من المسؤول عن كريه وصيانته؟ أين تبدأ التجاوزات وأين تنتهي؟ وهل توجد بوابات أو سداد أو تحويلات تمنع وصول المياه إلى مناطق بزايز خريسان؟ وهل هناك تعليمات رسمية تسمح بزراعة محاصيل معينة على حساب مناطق أخرى؟ وإذا كانت هناك تجاوزات، فلماذا لم تُرفع؟ وإذا كان هناك عجز مائي حقيقي، فليُعلن العجز بالأرقام، لا بالشائعات.الدولة القوية لا تخاف من هذه الأسئلة، بل تبدأ منها. ووزارة الموارد المائية مطالبة بأن تتعامل مع خريسان باعتباره منظومة مائية لا ملفاً محلياً صغيراً، وأن تنزل فرقها الفنية إلى الميدان، وتحدد مناسيب المياه، وتكشف حالة المجرى، وتراجع التوزيع من الصدور إلى بهرز، وتضع جدولاً معلناً للحصص والإطلاقات، وتمنع أي تجاوز على المجرى أياً كان صاحبه أو موقعه أو نفوذه.وإذا كان الكري يحتاج إلى موافقات أو ترتيبات إدارية، فهذه مسؤولية الدولة وليست ذريعة لترك الناس يموتون عطشاً. النهر الذي يحتاج إلى كري لا ينبغي أن ينتظر مزاج مسؤول، والمواطن الذي يحتاج إلى الماء لا ينبغي أن يدخل في معركة نفوذ حتى يحصل على حقه. وإذا تعذر على مسؤول محلي اتخاذ القرار، فعليه أن يرفع الأمر فوراً إلى الجهة الأعلى، لا أن يترك المشكلة تكبر حتى يصبح الجفاف أزمة اجتماعية.وأقول للمسؤولين المحليين والسياسيين الذين خرجوا من هذه المناطق أو يمثلون أهلها: لا تجعلوا الماء موسماً انتخابياً. من انتخبكم لا يريد خطبة عن التنمية، وإنما يريد ماءً يصل إلى أرضه وبيته وبستانه. ومن تصدر المشهد السياسي من أبناء هذه المناطق عليه أن يجعل قضية خريسان قضية حياة، وأن يطالب بالحل العادل بعيداً عن الحسابات الشخصية والمصالح الخاصة، لأن السياسة التي لا تستطيع حماية كأس ماء لفلاح عطشان لا تستحق أن تتحدث كثيراً عن خدمة الناس.وأقول لمحافظ ديالى، ولكل مسؤول في المحافظة، إن امتحان الإدارة الحقيقي لا يكون في افتتاح مشروع ولا في صورة أمام كاميرا، وإنما في منطقة بعيدة لا يملك أهلها منابر قوية، وفي قرية لا تستطيع أن تدخل المنطقة الخضراء، وفي فلاح ينتظر الماء كي لا يموت زرعه. هناك تُعرف الدولة. وهناك يُقاس العدل.ولأن نهر خريسان جزء من منظومة إروائية أوسع، فإن الحل لا يكون بإطلاق الماء عشوائياً، بل بإدارة علمية عادلة تحفظ حق المناطق الواقعة على امتداد المجرى. فالمصادر الرسمية والتقارير المحلية تشير إلى أن منظومة الصدور مسؤولة عن تغذية عدة أنهار وجداول رئيسية في ديالى، من بينها خريسان، وهذا يجعل أي قرار يتعلق بالمياه قراراً ذا أثر على مساحات سكانية وزراعية واسعة.إننا بحاجة إلى لجنة فنية وقانونية مستقلة تنزل إلى النهر، لا لجنة تجتمع في مكتب مكيف وتعود ببيان. نريد كشفاً لمجرى خريسان من الصدور حتى بزايز بهرز، وتصويراً لحالته، وتحديداً للتجاوزات، وتدقيقاً في الحصص، ومعرفةً بالأراضي التي تُروى فعلاً، وتحديداً للمناطق التي لا يصل إليها الماء، ثم وضع خطة طوارئ للمناطق المتضررة، وخطة دائمة لصيانة المجرى وتنظيم المياه.
فإذا ثبت أن هناك تجاوزاً، فليُرفع التجاوز بالقانون.وإذا ثبت أن هناك خللاً هندسياً، فليُصلح. وإذا ثبت أن هناك نقصاً في الإطلاقات، فلتُراجع الخطة المائية. وإذا ثبت أن هناك اعتداءً أو تحويلاً غير قانوني للماء، فليحاسب الفاعل. وإذا ثبت، لا سمح الله، أن هناك تمييزاً على أساس طائفي، فهنا يجب أن تكون المحاسبة أشد، لأن التمييز في الماء ليس مجرد مخالفة إدارية، بل اعتداء على معنى الدولة نفسها.أما أن نترك أهل قرى خريسان يتساءلون: لماذا يصل الماء إلى هذا المكان ولا يصل إلينا؟ ولماذا تزرع أرض هنا بينما تموت الأرض هناك؟ ولماذا يُسمح لهذا المجرى أن يجري في جهة ويتوقف في جهة؟ ثم نطلب منهم أن يصدقوا أن كل شيء طبيعي، فهذه ليست إدارة للمشكلة، وإنما تأجيل لانفجارها.
شيء طبيعي
النهر لا يستطيع أن يتكلم، ولذلك يتكلم عنه العطاشى. والأرض لا تستطيع أن ترفع شكوى، ولذلك يرفعها الفلاح.والبستان لا يستطيع أن يذهب إلى الدائرة الحكومية، ولذلك تذهب جذوره اليابسة شاهدة على ما حدث. ومن الظلم أن نطلب من الناس أن يصمتوا عندما يرون الماء يمر قريباً منهم ولا يصل إلى أرضهم.خريسان ليس نهراً لطائفة، ولا لعشيرة، ولا لمدينة، ولا لعائلة. خريسان مورد عام، والعدالة فيه ليست منّة من مسؤول ولا كرمَ سياسي، وإنما واجب قانوني وأخلاقي. ومن أراد أن يحتكر الماء باسم القوة، فعليه أن يعرف أن احتكار الماء لا يصنع له مجداً؛ إنه يصنع في ذاكرة الناس جرحاً قد يبقى أطول من عمر النهر نفسه.ولذلك أطالب اليوم بوضوح: افتحوا ملف خريسان أمام الناس، اذهبوا إلى الصدور، وتتبعوا الماء حتى بزايز بهرز، افحصوا المجرى، حددوا التجاوزات، أعلنوا الحصص، أصلحوا الناظم والقنوات حيث يلزم، وأعيدوا الماء إلى المناطق المحرومة وفق معيار واحد لا يعرف إلا الحاجة والحق والقانون. وحينها فقط نستطيع أن نقول إن الدولة قد انتصرت على الطائفية، لا بالكلمات، وإنما بالماء.
فالعراقي الذي يشرب من النهر نفسه الذي يشرب منه أخوه لا ينبغي أن يسأل أخاه: من أي طائفة أنت؟ ينبغي أن يسأله سؤالاً واحداً: هل وصل إليك الماء؟..تلك هي القضية.وتلك هي العدالة.وذلك هو خريسان الذي يجب أن يعود نهراً للعراقيين جميعاً، لا شاهداً على انقسامهم.