الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الوصاية على الإيرادات.. لماذا الحل في البنك المركزي وليس بمطاردة الفساد ؟

بواسطة azzaman

الوصاية على الإيرادات.. لماذا الحل في البنك المركزي وليس بمطاردة الفساد ؟

نبيل العبادي

 

في كل دورة موازنة تتجدد الأحاديث عن إيرادات الدولة التي لا تصل إلى الخزينة العامة وكأنها قدر لا فكاك منه، وكأن المشكلة محصورة في ضعف الرقابة أو انتشار الفساد الإداري في أروقة الوزارات والدوائر الحكومية، لكن الحقيقة التي توصلت إليها من واقع التحليل والخبرة أن العلة أعمق من ذلك بكثير، إنها علة هيكلية في طريقة إدارة المال العام نفسه قبل أن تكون علة أخلاقية أو رقابية. المشكلة الأم هي تشتت أرصدة الدولة في آلاف الحسابات المصرفية التجارية المبعثرة هنا وهناك، مما يمنح كل جهة حكومية مبرراً للتصرف بالإيرادات التي تحصلها قبل توريدها، أو إيداعها في بنوك تستثمرها وتستفيد منها بعيداً عن عين وزارة المالية. من هنا تتشكل القناعة الراسخة بأن الحل الوحيد المستدام هو فرض وصاية البنك المركزي على كل إيرادات الدولة دون استثناء، بصفته أمين الصندوق الوحيد الذي ينبغي أن تستقر فيه كل السيولة لحظة ورودها. هذا المفهوم الذي أتحدث عنه ليس تنظيراً مالياً، بل يُعرف في أدبيات الإصلاح الاقتصادي بحساب الخزانة الموحد، وهو النموذج الذي أثبت فعاليته في إعادة الانضباط للمالية العامة في دول كثيرة عانت مما نعاني منه اليوم.

جوهر الفكرة بسيط جداً: أي مبلغ يتم تحصيله من أي جهة حكومية، سواء كان ضريبة دخل أو رسماً جمركياً أو إيراد خدمة أو مخالفة مرورية، يجب أن يجد طريقه فوراً وبشكل آلي إلى حساب الخزينة الرئيسي في البنك المركزي دون أن يمر بحسابات وسيطة أو يركن في أرصدة راكدة تدر فوائد لصالح جهات على حساب الدولة. النموذج الأكثر انضباطاً هنا هو ما يسمى نظام الصفر رصيد، حيث يُسمح للدوائر بفتح حسابات فرعية لتسيير أعمالها اليومية ولكن برصيد ينتهي كل يوم عند الصفر، لأن كل السيولة تنتقل تلقائياً في نهاية اليوم إلى الحساب الرئيسي للدولة. هذه الآلية البسيطة في تصميمها والمعقدة في تطبيقها تحتاج إلى بنية تحتية للدفع الإلكتروني تضمن التحويل الفوري لحظة التحصيل، وإلى غطاء قانوني حديدي يجبر كل الجهات على الدخول في الحساب الموحد ولا يقبل أي استثناءات تحت أي مسمى كان، لأن أي استثناء سينخر الفكرة من الداخل ويعيدنا إلى المربع الأول.

وصول ايرادات

الفوائد المترتبة على هذا الإجراء تتجاوز بكثير مجرد ضمان وصول الإيرادات إلى الخزينة، فهي تفتح الباب أمام نقلة نوعية في إدارة المال العام لا يمكن تحقيقها بغيره. الفائدة الأولى هي الرؤية النقدية اللحظية، حيث تصبح وزارة المالية على علم يومي بالرصيد الحقيقي للدولة، مما يمنع تجاوز الاعتمادات المخصصة ويمنح صناع القرار قدرة حقيقية على إدارة التدفقات النقدية بدلاً من الطيران في العتمة المالية. الفائدة الثانية وهي الأكثر تأثيراً على المدى الطويل هي خفض تكلفة الاقتراض العام، ذلك أنه من العبث الاقتصادي أن تقترض الحكومة بفائدة سبعة في المئة لتمويل العجز بينما أرصدتها مبعثرة في بنوك تجارية بفائدة واحد في المئة، فبتجميع الأرصدة في حساب واحد يمكن استخدام هذه السيولة لتغطية الاحتياجات الآنية بدلاً من اللجوء للاستدانة العاجلة بفوائد مرتفعة تثقل كاهل الخزينة لأجيال قادمة. أما الفائدة الثالثة والأكثر عمقاً في مكافحة الفساد الخفي فهي سد منافذ الاقتراض الجانبي، حيث كانت بعض الجهات الحكومية تحصل على قروض وتسهيلات مصرفية بضمان إيراداتها المتوقعة خارج علم الخزينة المركزية، مما يخلق التزامات مالية خفية على الدولة لا تظهر في الموازنة. بتوحيد الحساب في البنك المركزي، يصبح أي تمويل للجهات يمر عبر قلب الدولة ورقابتها، فلا مجال لخلق مديونية موازية.

العقبة الكبرى في طريق هذا الإصلاح ليست تقنية بالدرجة الأولى، فالأنظمة موجودة والحلول المصرفية متطورة بما يكفي، لكن العائق الحقيقي هو مقاومة البيروقراطية المستفيدة من بقاء الوضع على ما هو عليه. جهات بأكملها تعودت على استثمار أموال الدولة في بنوك تجارية وكسب فوائد أو تسهيلات خاصة ستقاوم بشراسة لأنها ستفقد هذه الميزة، وستضغط للحصول على استثناءات تحت حجج واهية تتعلق بتسريع الإجراءات أو خصوصية العمل الأمني أو متطلبات الاستثمار. هنا بالضبط يكمن الاختبار الحقيقي للإرادة السياسية، فإما أن يصدر قانون لا يقبل الاستثناءات يفرض الحساب الموحد على الجميع وتكون الكلمة الفصل فيه هي أن كل قرش يخص الدولة يجب أن يستقر في خزينتها، وإما أن نستمر في مراوحة الحديث عن الإصلاح بينما المشكلة الهيكلية تتفاقم بصمت تحت عناوين لا تسمن ولا تغني من جوع.

 

 


مشاهدات 49
الكاتب نبيل العبادي
أضيف 2026/08/22 - 12:16 AM
آخر تحديث 2026/08/22 - 12:57 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 87 الشهر 25884 الكلي 16115588
الوقت الآن
السبت 2026/8/22 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير