من التصنيف السلبي إلى الإعتراف القومي
كيف رسمت الصحافة العالمية مسار القضية الكردية 1919–1979 ؟
قارمان حيدر رحمان
شكلت الحركة التحررية الكردية خلال القرن العشرين واحدة من أشد القضايا القومية والسياسية تعقيداً في الشرق الأوسط. ولم تكن هذه القضية محصورة في حدودها المحلية أو الإقليمية، بل تجاوزتها لتسلك منذ نهايات الحرب العالمية الأولى، طريقاً شامخاً نحو المجال الدولي. فقد ارتبط ظهور القضية الكردية في صورتها السياسية الحديثة بالتحولات الكبرى التي أعقبت إعادة تشكيل الخارطة السياسية للشرق الأوسط، ولا سيما خلال مؤتمر باريس للسلام عام 1919، وما رافقه من نشاط دبلوماسي كردي حثيث ومطالب واضحة جرى تقديمها إلى القوى الكبرى، تتعلق بالاستقلال، تقرير المصير، والحقوق القومية والسياسية. منذ تلك اللحظة التاريخية الفارقة، لم تعد القضية الكردية مجرد شأن داخلي أو صراع ينحصر في جبال كردستان، بل تحولت إلى موضوع حقيقي للتداول والنقاش في المؤتمرات والمعاهدات الدولية، وفي أروقة عصبة الأمم، ولاحقاً ضمن مؤسسات منظمة الأمم المتحدة.
غير أن المعركة حول القضية الكردية لم تكن تدار بالأدوات السياسية والعسكرية والدبلوماسية فحسب؛ إذ كان للإعلام والصحافة العالمية حضور الجوهر في تشكيل الصورة الذهنية التي وصلت بها هذه الحركة إلى الرأي العام الدولي. لقد مارست الصحف العالمية دوراً تجاوز مجرد نقل الأخبار والوقائع الميدانية، لتسهم عبر اختيار العناوين، وإعادة بناء المصطلحات والتوصيفات و تحديد طبيعة الشخصيات والأحداث التي تحظى بالاهتمام، في تقديم الحركة الكردية ضمن أطر سياسية وأمنية وقومية متباينة. ومن هنا، أضحت الصحافة إحدى الساحات الرئيسية التي صُممت فيها صورة الكرد، وتحددت من خلالها—بصورة مباشرة أو غير مباشرة، طبيعة النظرة الدولية إلى مطالبهم وحركتهم التحررية.
محطات فارقة
تكشف دراسة المادة الصحفية الدولية والتغطيات التاريخية الممتدة بين عامي 1919 و1979 أن صورة الكرد لم تكن ثابتة على الإطلاق، بل شهدت تحولات ومحطات فارقة في اللغة والمفاهيم والمصطلحات المستخدمة. ففي المراحل الأولى من ظهور القضية في المحافل الدولية، وتحديداً عقب مؤتمر باريس للسلام 1919، طغت على التغطيات الصحفية الغربية والعالمية توصيفات سلبية ومؤطرة بذاتية النظرة الاستعمارية أو المركزية للدول القائمة. في تلك الفترة، ارتبطت الحركة الكردية في الصحف العالمية بمفاهيم مثل «العصيان»، «التمرد»، «الفوضى»، «الانفصال»، و»الخروج على القانون». بل إن بعض التغطيات حملت صبغة ثقافية واجتماعية تحيزية، تظهر الكرد بوصفهم «جماعات جبلية» أو «غير متحضرة»، تعرقل بناء الدولة الحديثة وتخرج على النظام السياسي القائم. يعود هذا المؤشر الصحفي إلى التأثر الشديد بالسياق السياسي للصراع العثماني-التركي والتجاذبات الإقليمية المترافقة مع تقسيم أراضي الإمبراطورية العثمانية والمطالب المتنافسة حول مستقبل كردستان، مما صبغ المادة الصحفية المبكرة برؤية تختزل الحركة التحررية في مجرد اضطرابات أمنية تمس استقرار المنطقة.
لم تدم تلك الصورة الأحادية على حالها، إذ شهدت فترة ما بين الحربين العالميتين انتقالات تدريجية في التعاطي الإعلامي، بالتوازي مع انتقال القضية الكردية إلى نطاق أوسع. وجاءت قضية الموصل والنقاشات المحتدمة حولها داخل عصبة الأمم،لتشكل محطة رئيسية نقلت الأحداث الكردية من دائرة «الخبر المحلي المغلق» إلى دائرة «التقرير الخاص والبحث الدبلوماسي».
في هذه المرحلة، أخذت الصحف العالمية تتابع المستجدات الكردية عبر مراسليها وعبر الوثائق والتقارير الصادرة عن الحكومات والمؤسسات الدولية. وتداخلت التغطية الصحفية بوضوح مع الحراك الدبلوماسي في عصبة الأمم، بما في ذلك المناقشات المتعلقة بالحكم والإدارة والحقوق القومية لسكّان المنطقة. وعلى الرغم من أن بعض المصطلحات القديمة ظلت مستمرة في كتابات العديد من الصحافيين، إلا أن البعد السياسي والقومي للنزاع بدأ يفرض نفسه ببطء على لغة الصحافة الدولية.
أحدثت الحرب العالمية الثانية وما تلاها تحولاً جوهرياً في مسار القضية الكردية وفي طريقة التعاطي الإعلامي معها، وكان العامل الأبرز في ذلك يتجسد في الصعود المتزايد للملا مصطفى بارزاني كشخصية قيادية مركزية في المشهد الكردي. فمع اتساع نطاق قيادته وتأثيره منذ أربعينيات القرن الماضي، بدأت الصحف العالمية تخصص مساحات أكبر للحديث عن الكرد ونضالهم. إلا أن نقطة التحول الكبرى والصريحة تجسدت في فترة الستينيات من القرن العشرين، وتحديداً مع اندلاع «ثورة أيلول» عام 1961. إذ أصبحت الحركة التحررية الكردية، تحت قيادة الملا مصطفى بارزاني، طرفاً رئيسياً في صراع سياسي وعسكري واسع النطاق، ينفي عن نفسه تلقائياً إمكانية اختزاله في مجرد «اضطراب محلي» أو «حالة تمرد فردية». ونتيجة لذلك، بدأت الصحافة الدولية بالتعامل مع الأحداث بانتظام أشد، مسلطة الضوء على الأهداف السياسية للحركة، وعلاقاتها الإقليمية والدولية، وطبيعة المطالب القومية التي رفعتها.
وقد تابعت صحف عالمية واسعة الانتشار والمكانة مثل نيويورك تايمز الأمريكية، و لوموند الفرنسية، و برافدا السوفيتية و تايمز البريطانية، تطورات هذا الصراع بكثافة تحليلية وميدانية غير مسبوقة.
في قلب هذا التحول الإعلامي، برزت سنة 1962 كمحطة ذات أهمية استثنائية في تاريخ الصورة الإعلامية للحركة الكردية. ففي ذلك العام، قام الصحفي الأمريكي دانا آدامز شميدت ، مراسل صحيفة نيويورك تايمز، برحلة ميدانية خطيرة واستثنائية إلى كردستان العراق، بدأت في 4 تموز 1962 واستمرت زهاء شهرين (59 يوماً بالتحديد). أتاحت هذه الرحلة للمراسل الاختراق الميداني لمناطق الصراع، وللقاء بالملا مصطفى بارزاني، والاطلاع المباشر على معايشة البيئة الداخلية للحركة التحررية الكردية.
نشر شميت عقب عودته سلسلة من التقارير التغطوية والتحليلية في صحيفة نيويورك تايمز ابتداءً من أيلول 1962،تناول فيها قيادة بارزاني، والعمليات العسكرية ضد الجيش العراقي، و البيئة التنظيمية للحركة، فضلاً عن مطلب الحكم الذاتي. وتوج شميدت هذه التجربة الميدانية بإنتاج كتابه المرجعي الشهير Journey Among Brave Men («رحلة بين رجال شجعان») الصادر عام 1964.
صورة نمطية
تبرز أهمية تجربة شميدت وكتابه في تقديم نموذج واقعي ومباشر للانتقال من «الصورة النمطية» للكرد كجماعات متمردة وخارجة عن القانون، إلى تقديمهم للعالم بوصفهم «شعباً ذا هوية قومية وحركة ذات أهداف سياسية وقيادة واضحة». ولأن شميدت اعتمد على المشاهدة والمعايشة اليومية المباشرة وليس على نقل المراسلات الحكومية أو المصادر الرسمية البعيدة، فقد نقل إلى القارئ الغربي رؤية أكثر قرباً وعدالة للواقع الذي تعيشه الحركة الكردية. وقد فتحت هذه التغطية الباب لصحفيين دوليين آخرين لارتياد الساحة نفسها، مما جعل القضية الكردية حاضرة كملف سياسي إقليمي ودولي يفرض نفسه على أروقة القرار العالمي.
إن القراءة التتبع التحليلية لمسار التغطية الصحفية بين 1919 و1979 تكشف عن تحول مفاهيمي ولغوي واضح؛ فبينما غلبت في المراحل المبكرة كلمات مثل:العصاة والمتمردين، الانفصاليين والخارجين عن القانون، بدأت هذه المفردات تتراجع لصالح مفاهيم ذات دلالات سياسية وقومية شرعية، مثل، الثورة والحركة التحررية، الحركة القومية والأمة الكردية،الحكم الذاتي و الحقوق السياسية، القيادة السياسية و العسكرية. ولم يكن هذا التحول مجرد تغيير شكلي في صياغة العناوين الصحفية، بل كان انعكاساً لعمق التحول في الصورة الذهنية ونسبة الشرعية التي بدأ الإعلام الدولي يمنحها للحركة الكردية. وقد تضاعف هذا المسار بشكل واضح عقب اتفاقية 11 آذار 1970 بين الحكومة العراقية والحركة الكردية؛ حيث أسهمت هذه المحطة التاريخية في إجبار الصحافة العالمية، حتى تلك التي كانت تحفظية على التعاطي مع الحركة الكردية كطرف سياسي و رسمي له حقوق ومطالب مشروعة ومكفولة ضمن أطر الاتفاقيات.
على الرغم من هذا التحول التدريجي الملحوظ، إلا أن الصحافة العالمية لم تكن يوماً كتلة واحدة تصدر عن موقف أيديولوجي أو سياسي متجانس. فقد استمر التباين بين الصحف الغربية والشرقية و الإقليمية تبعاً لظروف الحرب الباردة و مصالح الدول الكبرى و الاتجاهات الفكرية لكل صحيفة. ففي الوقت الذي كانت فيه بعض الصحف تصف الحركة بـ»التحريرية»، استمرت صحف أخرى، مساوقة للخطط الرسمية لبعض الأنظمة، في استخدام المصطلحات ذات الطابع السلبي.
ختاماً، فإن تتبع مسار الحركة التحررية الكردية من عام 1919 حتى عام 1979 يثبت أن الصحافة العالمية لم تكن مجرد مرآة تنعكس عليها الأحداث أو سجل محايد لتدوين الأخبار، بل كانت ساحة تفاعلية حقيقية أثرت و تأثرت بمجريات الصراع. فبينما كان الثوار و القيادة الكردية يرسخون حضورهم الميداني والسياسي في جبال كردستان والمحافل الدولية، كانت الصحافة العالمية تسهم في إعادة تشكيل هذه النضالات صياغة ومفهوماً أمام الرأي العام العالمي. لقد انتقل الكرد على صفحات الصحف الدولية من مجرد «أقليات متمردة» في أطراف الدول إلى «شعب يناضل من أجل حقوقه القومية والسياسية»، مما جعل المادة الصحفية التاريخية، مصدراً لا غنى عنه لفهم التطور السياسي والدبلوماسي للقضية الكردية في العصر الحديث.