كيف نتجاوز الخوف من الموت ؟
ماهر الكيالي
صدرعن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت كتاب جديد للدكتور أيوب عيسى أبودية بعنوان: كيف نتجاوز الخوف من الموت؟ جاء في الكتاب أنه لا شيء في الحياة أكثر يقينًا من الموت، ومع ذلك لا شيء يحيط بنا بقدر أكبر من الغموض. نحن نعرف أنه قادم، لكننا لا نعرف متى يأتي، ولا كيف، ولا ماذا يوجد بعده. وبين اليقين والجهل نشأ واحد من أقدم الأسئلة التي رافقت الإنسان منذ أن بدأ يتأمل وجوده: ماذا يعني أن نموت؟ وماذا بعد الموت؟ وإذا كانت النهاية واحدة، فما معنى أن نعيش؟ هذا الكتاب لا يقدم وصفة جاهزة للتخلص من الخوف، ولا يدّعي امتلاك الإجابة النهائية عن سر الموت. إنه يأخذ القارئ في رحلة طويلة عبر تاريخ الفكر الإنساني، ليرى كيف حاول الإنسان أن يفهم الموت، وأن يمنحه معنى، وأن يتصالح معه. تبدأ الرحلة من الأسطورة، حين كان الموت لغزًا غامضًا فسّره الإنسان بالآلهة والأرواح والعوالم السفلى، مرورًا بحضارات سومر ومصر واليونان والشرق القديم، ثم تنتقل إلى الفلسفة اليونانية، حيث تحرر السؤال تدريجيًا من الأسطورة وأصبح موضوعًا للعقل والتأمل. سنلتقي في هذه الرحلة بسقراط الذي رأى الفلسفة استعدادًا للموت، وبأفلاطون الذي نظر إلى الموت بوصفه تحررًا للروح، وبأبيقور الذي حاول تحرير الإنسان من الخوف منه، وبالرواقيين الذين دعوا إلى قبوله باعتباره جزءًا من نظام الطبيعة. ثم ننتقل إلى الفلسفة الإسلامية والتصوف، فالنهضة والتنوير، وصولًا إلى شوبنهاور وكيركيغور ونيتشه، ثم هايدغر وسارتر وكامو وليفيناس وفوكو، وغيرهم. لكن الرحلة لا تتوقف عند تاريخ الأفكار. فالتساؤل عن الموت ليس سؤالًا فلسفيًا بعيدًا عن حياتنا اليومية. وفي عصر السرعة والاستهلاك المفرط والتكنولوجيا، أصبح الإنسان يحاول أحيانًا الهروب من التفكير في نهايته بالانشغال الدائم، وكأن
ضجيج الحياة يستطيع إسكات السؤال الذي يسكن في أعماقه عن الموت. وهنا يعود الكتاب ليسأل: هل نعيش فعلًا، أم أننا نؤجل الحياة ونحن نطارد الحلم في المستقبل؟ وفي عالم تهزه الحروب الشرسة والأوبئة والتغير المناخي، لم يعد الموت تجربة فردية فحسب، بل أصبح واقعًا جماعيًا يفرض أسئلة جديدة عن العدالة والمسؤولية وقيمة الحياة. وفي النهاية، يعود الكتاب من الموت إلى الحياة. فالتفكير في الموت يمكن أن يجعلنا أكثر امتنانًا وتقديرا للوقت الحالي المعيش، وأكثر صدقًا مع أنفسنا، وأقل استعدادًا لتأجيل ما يستحق أن نعيشه. لذلك فإن هذا الكتاب ليس كتابًا عن الفناء بقدر ما هو كتاب عن الحياة؛ ليس دعوة إلى التشاؤم، بل إلى أن نعيش بوعي أكبر، وأن نحب ونغفر وننجز ونساعد ونترك أثرًا قبل أن ينتهي الوقت. إنه دعوة لأن ننظر إلى الموت في عينيه، لا لكي نحبه أو نستسلم له، بل لكي نتحرر من الخوف الذي يمنعنا من الحياة. فالغاية في النهاية ليست أن نعيش إلى الأبد، وإنما أن نعيش حياة تستحق أن تُعاش .
يقع الكتاب في 144 صفحة من القطع المتوسط .