الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
وحدة البيت .. فيتو على الدولة

بواسطة azzaman

عصمة المكوّن

وحدة البيت .. فيتو على الدولة

كاظم نزار الركابي

 

هذا الأسبوع دخل بغداد زائرٌ يحمل جملةً واحدة. الجملة لم تكن عن السلاح، ولا عن المهلة، ولا عن الانسحاب. كانت عن البيت: احذروا تصديع البيت. لم يحتج الزائر إلى أن ينطقها؛ قالها النظام لنفسه قبل أن يصل. وأمام جملةٍ لم تُكتب، توقفت دولةٌ تملك كل شيء.

تملك جيشًا، ومهلةً تنتهي في أيلول، وقانونًا قيد الإعداد، وائتلافًا يجمع مكوّناتها الثلاثة. تملك كل أدوات إعلان احتكارها للسلاح، وتقف عاجزةً أمام كلمة واحدة: البيت.

هنا تتكشف العقدة التي يدور حولها الجميع من دون أن يسمّوها. ما يمنع الدولة العراقية من فرض سيادتها ليس بندقية الفصيل وحدها، ولا رسالة الجار وحدها. إنه قانون غير مكتوب يعلو في الممارسة على الدستور: عصمة المكوّن.

لم يصنع الزائر هذه القاعدة. وجدها راسخة، وخاطبها باللغة التي تفهمها. نجحت رسالته لأنها أيقظت أعمق خوف في النظام: أن يتصدع البيت إذا اكتملت الدولة. الخارج لا يخترع أبواب التدخل كلها؛ بعضها يفتحه الداخل، ثم يقف خلفه منتظرًا الطارق.

القانون غير المكتوب

قامت الدولة العراقية بعد عام 2003 على المكوّنات قبل أن تقوم على المواطنين. صار المكوّن هو الوحدة الأولى للسياسة، والبيت هو المرجع قبل الوطن. ومن رحم هذا الترتيب وُلد قانون لم يكتبه دستور: وحدة كل بيت داخليًا مقدسة لا تُمسّ.

تلك هي عصمة المكوّن: حصانة يتمتع بها البيت، وتفتقر إليها الدولة. العصمة في أصلها منعة وحماية. نال المكوّن المنعة، وبقيت الدولة بلا حماية من القوى المتحدثة باسمه. صار كل بيت قلعةً لها قانونها، والدولة ساحةً بين القلاع. كتب الدستور دولةً واحدة، وكتب العرف فوقها دولًا صغيرة بعدد البيوت. وحين يتعارضان، ينتصر العرف؛ لأنه يملك السلاح والمال والولاء، وتملك الدولة النص وحده.

المكوّن نفسه لا يمنح هذه العصمة. المواطن الشيعي أو السني أو الكردي لم يفوّض زعيمًا كي يعطل الدولة باسمه. القوى التي احتكرت تمثيله استعارت حرمته الاجتماعية، ثم حولتها إلى حصانة سياسية لمصالحها وسلاحها ومواقعها. صارت مساءلة الحزب إهانةً للمكوّن، ومحاسبة المسؤول استهدافًا لجماعته، وإخضاع الفصيل للقانون مؤامرةً على بيئته. انتقلت الحماية من المجتمع إلى نخبته، وانتقل المواطن من صاحب حق إلى ذريعة.

الدولة تستطيع أن تحاسب فردًا، وتتردد أمام قوة تختبئ خلف بيت. الفصيل الذي يرفض تسليم سلاحه يحتمي بجدار أمتن من السلاح: يوحي بأن مواجهته مواجهة للبيت الذي ينتمي إليه، وأن مواجهة البيت تهدد توازن المكوّنات كلها. درعه الحقيقي ليس ترسانته وحدها. درعه عصمة مكوّنه.

تتوقف الدولة عند عتبة البيت؛ لأن دخولها يمس ما صار في النظام أرفع من احتكار السلاح: تماسك المكوّن.

وهنا يلزم التمييز بين الحشد الشعبي، مؤسسةً قانونية ضمت عراقيين لبّوا نداء الدفاع وقدموا تضحيات جسيمة، وبين قوة تنتسب إلى الدولة في الاسم والتمويل ثم تنفصل عنها عند قرار السلاح. الخلط بينهما يصنع العصمة؛ إذ يحوّل نقد القرار الموازي إلى إساءة للتضحية، ومساءلة الفصيل إلى اعتداء على المؤسسة والمكوّن.

الفيتو الذي لا يُرى

يشير الجميع إلى الجار وإلى السلاح بوصفهما مصدر التعطيل. هما قوتان حقيقيتان، ولا يُفهم نفاذهما من دون العامل الداخلي: الفيتو الأهلي. تنجح رسالة الزائر لأنها تنطق باللغة التي يطيعها النظام أصلًا: لا تصدعوا البيت. الخشية من صراعٍ داخل المكوّن تؤكد أن الفيتو النافذ هو عصمة البيت.

الدولة تؤجل وجودها حرصًا على تماسك مكوّن فيها. لذلك يتحول كل استحقاق سيادي إلى مساومة داخل البيوت. القرار الوطني يُصفّى في مجالس المكوّنات، ثم يخرج منقوصًا أو مؤجلًا. الدولة تتلقى ما تسمح به البيوت، وتوقع على ما تجيزه. هذا هو الفيتو الأهلي: سلطة تعلو على صندوق الاقتراع ولا يراها ناخب.

مشهد هذا الأسبوع يجسّد القاعدة في أوضح صورها. الدولة لم تتحرك نحو السلاح على أرضها حتى نالت تفويضًا من بيتها السياسي بالمضي فيه. التفويض نفسه هو الدليل: الدولة تمارس سيادتها بإذن المكوّن، وتستمد شرعية حركتها من تفويضه. والإذن جاء محدودًا بسقفه: مسارٌ متدرج، يستثني المؤسسة الجامعة، ويترك باب المقايضة مفتوحًا. سيادةٌ تُمارَس بإذن البيت لا تكون سيادةً بعد.

هذا ليس شأنًا مذهبيًا واحدًا. للبيت السني عصمته حين يتحول التنافس على المناصب واحتكار التمثيل إلى دفاع عن مكانة الجماعة. وللبيت الكردي عصمته حين تُنقل الخلافات على النفط والأرض والمنافذ من ساحة الدستور إلى حرم المكوّن. ولكل بيت حاجز يرفعه في وجه الدولة باسم وحدته الداخلية. الأدوات مختلفة، والأوزان غير متساوية، والقانون الخفي واحد: المحاصصة قدست البيوت، وتركت الدولة فراغًا بينها.

هنا يكتمل التشخيص. العراق بنى بيوتًا، ثم بحث لها عن سقف. صارت الدولة ممرًا بينها، لا سقفًا فوقها. المكوّن يسبق المواطن، والبيت يسبق الوطن، والانتماء الأهلي يسبق العقد الوطني. وما دام البيت معصومًا والدولة مباحة، تبقى السيادة ضيفةً في دارها.الدولة التي لا يدخل قانونها مكوّناتها تستأجر سلطتها من زعمائها، وتحكم بإذن البيوت وتقف عند حدود حصانتها. هي دولة حاضرة في الخريطة، غائبة عن بيوتها. يبدأ عمى العاصمة من هنا: عاصمةٌ ترى الإقليم كله وتعجز عن رؤية ما يجري خلف جدرانها. الجيوش تُبنى لتحمي الحدود، والعراق يحتاج أولًا إلى قانون يعبر عتبات بيوته. من عجز قانونه عن دخول داره، عجز قراره عن حراسة سوره.

المفارقة أن عصمة المكوّن تُضعف المكوّن نفسه في النهاية. البيت الذي يحتكر سلاحًا خاصًا لحمايته يصير رهينةً لأشد أجنحته تطرفًا، ويفقد قدرته على أن يكون شريكًا حرًا في الدولة. حماية البيت بسلاحه تحوله من مكوّن في وطن إلى معسكر في مواجهة وطن. والبيوت التي تتصور العصمة قوةً لها تكتشف متأخرةً أنها سجنها.

الدولة القوية وحدها تحمي مكوّناتها من بعضها، ومن المتحدثين باسمها، ومن جيرانها. الدولة الغائبة تترك كل بيت وحيدًا في مواجهة الجميع، فيستبدل القانون بالسلاح، والأمان بالخندق، والشراكة بالارتياب.

نهاية العصمة

الخروج يبدأ بقلب هرم العصمة. الدولة تولد يوم تصير عصمة المواطن أعلى من عصمة المكوّن، ويوم يكون الحرم الوحيد حرم القانون، والبيت الوحيد بيت الوطن. حصر السلاح ليس عملية أمنية تُقاس بعدد البنادق. إنه اللحظة التي تعلن فيها الدولة أن لا بيت فوقها.

هذا الإعلان يحتاج شجاعةً تفوق شجاعة الحرب. فالعدو الخارجي يوحّد البيوت، ومواجهة عصمتها تفكك تحالفات قامت عليها موازين السلطة. والدولة التي تُقدم على ذلك تختار الوطن على التوازن، والمواطن على الزعيم، والقانون على العرف. هذا الاختيار وحده يستحق اسم التأسيس.

موعد أيلول ليس موعدًا لجمع السلاح وحده. إنه موعد لإنهاء حصانة البيوت. الفصيل الذي يتخلى عن عصمته ينتقل من كيان فوق الدولة إلى تنظيم خاضع للقانون، ويعود أفراده مواطنين متساوين. والفيتو الأهلي لا يُكسر بالقوة وحدها. يُكسر يوم يجد المواطن في الدولة حمايةً أوثق من حماية بيته: قضاءً ينصفه، وأمنًا يشمله، وعدلًا لا يسأل عن مكوّنه.

يومها يغادر المواطن البيت السياسي إلى الوطن طوعًا. تتحول البيوت من قلاع متقابلة إلى غرف في بيت واحد، ويصير الاختلاف تنوعًا داخل وطن، بعد أن كان متاريس بين أوطان.

دخل بغداد زائر بجملة واحدة عن البيت. ويوم ترد بغداد بجملة واحدة عن الدولة، أن لا بيت فوق الوطن ولا عصمة فوق القانون، يسقط القانون غير المكتوب، ويبدأ المكتوب.

 

 


مشاهدات 65
الكاتب كاظم نزار الركابي
أضيف 2026/08/17 - 3:46 PM
آخر تحديث 2026/08/18 - 12:59 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 68 الشهر 19381 الكلي 16109085
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/8/18 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير