حذف الأصفار لعبة الأرقام أم كشف المستور
صادق سعدون البهادلي
عاد ملف حذف الأصفار من الدينار العراقي ليشعل الجدل من جديد ويعيد معه أسئلة قديمة بثوب أكثر حساسية هل نحن أمام إصلاح نقدي حقيقي أم مجرد تغيير شكلي يخفي خلفه أهدافا أعمق تتعلق بالسيطرة على السيولة وكشف الأموال المخزنة خارج النظام المصرفي تصريحات وزير الاتصالات مصطفى سند فتحت بابا واسعا للتأويل حين أشار إلى أن العراق ماض في مشروع حذف الأصفار وتغيير العملة وربط ذلك بإعادة الأموال المكتنزة إلى الدورة الاقتصادية لكن دون تحديد موعد أو آليات واضحة مما زاد من غموض المشهد وأثار قلق الشارع الذي يتذكر جيدا تناقض التصريحات الحكومية في هذا الملف الحقيقة أن مشروع حذف الأصفار ليس وليد اللحظة بل هو مطروح منذ أكثر من خمسة عشر عاما كجزء من خطة لإعادة هيكلة العملة وتبسيط التعاملات النقدية الفكرة تقوم على تحويل كل ألف دينار قديم إلى دينار جديد واحد دون أن تتغير القيمة الحقيقية للأموال أي أن الأرقام تتقلص لكن القوة الشرائية تبقى كما هي لكن المشكلة أن كثيرا من الناس يخلطون بين حذف الأصفار وارتفاع قيمة العملة وهنا تكمن الخدعة الكبرى فالدينار لا يقوى بمجرد حذف أصفار منه بل يقوى بالإنتاج والاستقرار الاقتصادي والسياسة المالية الرصينة والثقة بالسوق أما تغيير الشكل دون معالجة الجوهر فلن يصنع معجزةالسؤال الأخطر الذي يقلق العراقيين اليوم هل سيؤدي تغيير العملة إلى إخراج الأموال المخزنة في البيوت إلى المصارف الجواب ليس بسيطا من الناحية النظرية نعم لأن أي عملية استبدال للعملة تتطلب إدخال الأموال إلى النظام المالي خلال فترة محددة وهذا قد يدفع أصحاب الكتل النقدية الكبيرة إلى إظهارهالكن الواقع أكثر تعقيدا فنجاح هذه الخطوة يعتمد على القوانين التي سترافقها هل ستكون هناك رقابة صارمة على مصادر الأموال هل ستفرض قيود على الإيداعات الكبيرة هل ستفعل قوانين مكافحة غسل الأموال أم سيكون الأمر مجرد تبديل أوراق دون مساءلة حقيقيةهناك من يرى أن الهدف غير المعلن من هذه الخطوة هو جر الأموال المكتنزة إلى المصارف وكشف جزء من الاقتصاد الخفي الذي يعيش خارج رقابة الدولة وهذا قد يكون إيجابيا إذا تم ضمن إطار قانوني عادل لكنه قد يتحول إلى مصدر خوف إذا شعر المواطن أن أمواله ستكون عرضة للمساءلة دون ضمانات في النهاية يبقى حذف الأصفار سلاحا ذا حدين إما أن يكون خطوة إصلاحية مدروسة تعزز الثقة بالاقتصاد وتدعم النظام المالي أو يتحول إلى مجرد تغيير شكلي يزيد من ارتباك السوق ويعمق فجوة الثقة بين المواطن والدولةليست القضية أصفارا تحذف ولا أوراقا تستبدل بل هي ثقة مفقودة بين شعب ودولة إن لم تبن هذه الثقة فلن تخرج الأموال من تحت الوسائد مهما تغيرت الألوان والأرقام وإن خرجت فستخرج خوفا لا إيمانا وحينها لن يكون الإصلاح انتصارا بل اعترافا متأخرا بأن المشكلة لم تكن في العملة بل في من يديرهاوفي الختام لا يمكن تجميل الواقع ولا دفن الحقيقة تحت ركام التصريحات المرتبكة فالدولة التي تعجز عن إدارة ملف عملتها وتعجز عن بناء ثقة بين مؤسساتها وشعبها ليست أمام أزمة أصفار بل أمام أزمة قيادة وعقل غائب إن الأوطان لا تدار بالتجربة والخطأ ولا بالقرارات المرتجلة ولا بالتناقضات التي تزرع الخوف في قلوب الناس وتجعلهم يتمسكون بأموالهم وكأنها آخر ما تبقى من الأمان يا حكومة العراق إن الشعب لم يعد يحتمل مزيدا من العبث ولا مزيدا من الوعود التي تولد ميتة إن كنتم لا تعرفون كيف تقودون دولة فقولوا ذلك بصراحة وارحلوا بكرامة لأن بقاءكم بهذا الأداء ليس حكما بل وجع يومي ينزف منه وطن كامل إن العراق أكبر من فشلكم وأغلى من أخطائكم والتاريخ لا يرحم من أضاع بلدا كان يوما قلب الحضارة وتركه اليوم يتخبط في ظلام العجز والضياع.