من يملك القوة والقدرة على الصمود؟
المفارقات الإستراتيجية بين الولايات المتحدة وإيران
احمد فكاك البدراني
لم يعد الصراع الأمريكي الإيراني مجرد خلاف سياسي أو نزاع حول البرنامج النووي، بل أصبح أحد أعقد الصراعات الجيوسياسية في القرن الحادي والعشرين. فمنذ قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979 دخل البلدان في مواجهة طويلة اتخذت أشكالاً متعددة، من العقوبات الاقتصادية إلى الحرب السيبرانية والاغتيالات والعمليات غير المباشرة، ثم تطورت في عام 2026 إلى مواجهات عسكرية مباشرة ومتقطعة، تمثلت فيما اصطلح على تسميته بحرب الاثني عشر يومًا، ثم حرب الأربعين يومًا، ثم حصار الموانئ الإيرانية، وصولاً إلى أزمة مضيق هرمز التي هددت الاقتصاد العالمي بأسره.
وهنا تبرز المفارقة الكبرى؛ فالولايات المتحدة تمتلك أعظم قوة عسكرية في التاريخ الحديث، بينما تمتلك إيران واحدة من أعقد البيئات الجيوستراتيجية في العالم، الأمر الذي يجعل الصراع بينهما صراعًا بين التفوق العسكري المطلق، وبين القدرة على الاستنزاف والصمود.
لقد أثبتت التجارب التاريخية أن الحروب لا تُحسم دائمًا بحجم القوة العسكرية، كما لا تُحسم بالإرادة وحدها، وإنما بالتوازن بين القوة والاقتصاد والوقت والجغرافيا والإرادة السياسية.
أولاً: الولايات المتحدة… إمبراطورية القوة العسكرية
عندما تُقارن الولايات المتحدة بأي دولة في العالم فإن المقارنة تكون غير متكافئة منذ البداية.
انفاق عسكري
فالولايات المتحدة تمتلك أكبر ميزانية دفاع في العالم بلغت نحو 954 مليار دولار، وهو رقم يزيد عشرات المرات على الإنفاق العسكري الإيراني، بل يتجاوز مجموع إنفاق عدد كبير من الدول الكبرى مجتمعة.
ويخدم في القوات المسلحة الأمريكية ما يقارب 1.3 مليون عسكري موزعين على القوات البرية والبحرية والجوية وقوات المارينز والقوات الفضائية، إضافة إلى مئات الآلاف من قوات الاحتياط والحرس الوطني.
كما يحتل الجيش الأمريكي المرتبة الأولى عالميًا من حيث القوة العسكرية، ويتميز بما يأتي:
* أكبر أسطول عالمي من حاملات الطائرات النووية.
* مئات السفن الحربية والمدمرات والغواصات النووية.
* آلاف الطائرات المقاتلة والقاذفات الإستراتيجية.
* تفوق كامل في الأقمار الصناعية والاستطلاع الفضائي.
* سيطرة واسعة على الفضاء الإلكتروني والحرب السيبرانية.
* شبكة قواعد عسكرية تمتد في معظم قارات العالم.
* منظومة إعلامية عالمية قادرة على التأثير في الرأي العام الدولي وصناعة السردية السياسية.
إن الولايات المتحدة لا تملك فقط جيشًا ضخمًا، وإنما تمتلك اقتصادًا هو الأكبر عالميًا، وقدرة صناعية هائلة، وتحالفًا عسكريًا تقوده داخل حلف شمال الأطلسي، وهو ما يمنحها قابلية الاستمرار في الحروب لفترات طويلة دون أن تتعرض لبنية الدولة الداخلية بالقدر الذي تتعرض له الدول الأخرى.
ثانياً: إيران… قوة الجغرافيا قبل قوة السلاح
في المقابل تبدو إيران أقل بكثير من الولايات المتحدة في المؤشرات العسكرية التقليدية.
فميزانية الدفاع الإيرانية لا تتجاوز 15 مليار دولار تقريبًا.
ويبلغ عدد أفراد القوات المسلحة نحو 500 ألف مقاتل، بينما يتراوح ترتيب الجيش الإيراني عالميًا بين المرتبة السادسة عشرة والتاسعة عشرة بحسب المؤسسات الدولية المتخصصة.
لكن هذه الأرقام لا تعكس حقيقة القوة الإيرانية.
فإيران تمتلك عناصر مختلفة تمامًا، أهمها:
أولاً: المساحة الجغرافية التي تتجاوز مليونًا وستمائة ألف كيلومتر مربع.
ثانيًا: تضاريس جبلية معقدة تجعل أي غزو بري واسع النطاق شديد الكلفة.
ثالثًا: عمق استراتيجي يمتد من بحر قزوين شمالاً إلى الخليج العربي جنوبًا.
رابعًا: سيطرة مباشرة على الساحل الشمالي لمضيق هرمز.
خامسًا: ترسانة كبيرة من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة.
سادسًا: خبرة طويلة في الحروب غير المتماثلة وحرب الاستنزاف.
ولهذا فإن إيران تدرك أنها لا تستطيع الانتصار على الولايات المتحدة في حرب تقليدية، ولذلك بنت عقيدتها العسكرية على جعل تكلفة الحرب أعلى من المكاسب التي يمكن أن تحققها واشنطن.
ثالثاً: حرب الاثني عشر يومًا… صدمة القوة
أظهرت الحرب الأولى حجم التفوق الأمريكي في الضربات الجوية والاستخباراتية والدقة التكنولوجية.
لكنها أظهرت في المقابل أن إيران استطاعت الحفاظ على جزء كبير من بنيتها العسكرية والقيادية، واستمرت في إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة، الأمر الذي كشف أن الضربات الجوية وحدها لا تكفي لإنهاء قدرة دولة كبيرة ذات عمق جغرافي واسع.
رابعاً: حرب الأربعين يومًا… بداية حرب الاستنزاف
مع امتداد العمليات العسكرية بدأت المعادلة تتغير.
فالولايات المتحدة بقيت متفوقة في الجو والبحر.
أما إيران فانتقلت إلى استراتيجية الاستنزاف، عبر توسيع الضغط على الملاحة والطاقة، وإطالة أمد الصراع، بما يرفع كلفته السياسية والاقتصادية على خصومها.
وهكذا انتقل الصراع من معركة تدمير القدرات العسكرية إلى معركة الإرادات.
خامساً: حصار الموانئ الإيرانية
يمثل الحصار البحري أحد أخطر أدوات الضغط الأمريكية.
ايرادات نفطية
فالاقتصاد الإيراني يعتمد بدرجة كبيرة على صادرات النفط.
ومن ثم فإن تعطيل الموانئ يعني تقليص الإيرادات النفطية وإضعاف قدرة الدولة على تمويل عملياتها العسكرية.
لكن الحصار في المقابل فرض تحديات على حركة التجارة والطاقة في الخليج، وأدى إلى تصاعد المخاطر على شركات الشحن والتأمين، مع استمرار الهجمات على السفن والتوتر حول حرية الملاحة. (ويكيبيديا)
سادساً: مضيق هرمز… الورقة الإيرانية الأخطر
يبقى مضيق هرمز أهم نقطة ارتكاز في الاستراتيجية الإيرانية.
فهو الممر الذي يعبر منه جزء مهم من تجارة النفط العالمية.
ولهذا فإن أي اضطراب فيه ينعكس فورًا على أسعار النفط وأسواق الطاقة العالمية.
وقد أثبتت الأزمة الأخيرة أن مجرد التهديد بإغلاق المضيق أو تعريض السفن للمخاطر أدى إلى اضطراب الأسواق، وانخفاض أعداد السفن العابرة، قبل أن تبدأ جهود وساطة لإعادة فتح الممر البحري. (Reuters)
ومن هنا فإن مضيق هرمز ليس مجرد ممر مائي، بل أصبح سلاحًا جيوسياسيًا بيد إيران، يقابله التفوق البحري الأمريكي.
سابعاً: من يحسم الصراع؟
إذا كان معيار الحسم هو تدمير القوة العسكرية، فإن الولايات المتحدة تمتلك القدرة الأكبر.
أما إذا كان معيار الحسم هو إخضاع إيران سياسيًا وإجبارها على الاستسلام الكامل، فإن التجربة التاريخية لا تقدم أدلة على سهولة تحقيق ذلك.
فالولايات المتحدة تتفوق في:
* القوة العسكرية.
* الاقتصاد.
* التكنولوجيا.
* سلاح الجو.
* البحرية.
* الإعلام العالمي.
* التحالفات الدولية.
أما إيران فتتفوق في:
* الجغرافيا.
* العمق الاستراتيجي.
* القدرة على الصمود.
* حرب الاستنزاف.
* توظيف الموقع الجغرافي.
* التأثير في أمن الطاقة العالمي.
ومن ثم فإن كفة القوة تميل بوضوح إلى الولايات المتحدة، بينما تميل كفة القدرة على إطالة أمد الصراع ورفع كلفته إلى إيران.
وهنا يمكننا القول إن الصراع الأمريكي الإيراني ليس معركةً بين جيشين فحسب، بل هو مواجهة بين فلسفتين استراتيجيتين؛ الأولى تعتمد على التفوق العسكري الشامل، والثانية تعتمد على الصمود الجغرافي والاستنزاف طويل الأمد.
ولهذا فإن الولايات المتحدة تستطيع أن تكسب معظم المعارك العسكرية، لكنها قد تجد صعوبة في تحويل هذا التفوق إلى نصر سياسي نهائي.
وفي المقابل، تستطيع إيران أن تمنع الهزيمة الكاملة وأن تفرض كلفة مرتفعة على خصومها، لكنها لا تملك من عناصر القوة الاقتصادية والــــــــــعسكرية ما يمكّــــــــــنها من تحقيق انتصار حاسم على الولايات المتحدة.
وبناءً على ذلك، فإن السيناريو الأكثر ترجيحًا ليس انتصار أحد الطرفين انتصارًا مطلقًا، وإنما استمرار ميزان ردع متبادل تتخلله جولات من التصعيد ثم التهدئة، مع بقاء مضيق هرمز والطاقة العالمية في قلب معادلة الصراع، إلى أن تنضج تسوية سياسية تفرضها كلفة الحرب على الطرفين أكثر مما تفرضها نتائج الميدان.