الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
ذوي الإعاقة.. بين أعباء الرعاية ومسؤولية المجتمع

بواسطة azzaman

كيف يصنع الدعم طريقا نحو التمكين والاستقرار؟

ذوي الإعاقة.. بين أعباء الرعاية ومسؤولية المجتمع

 

الأحساء - زهير بن جمعة الغزال

لا تقتصر تحديات الإعاقة على الشخص ذي الإعاقة وحده، بل تمتد لتشمل أسرته التي تتحمل مسؤولية الرعاية والتأهيل والمتابعة اليومية، وسط متطلبات متزايدة وأعباء مادية ونفسية واجتماعية قد تستمر لسنوات طويلة، وبينما تبذل الأسر جهودا كبيرة لتوفير حياة كريمة لأبنائها، تبرز الحاجة إلى منظومة دعم متكاملة لا تقتصر على المساعدات المالية، وإنما تشمل التأهيل والإرشاد والتمكين والاحتواء المجتمعي، بما يعزز جودة الحياة ويمنح هذه الأسر القدرة على مواصلة رسالتها.

ويشهد ملف الأشخاص ذوي الإعاقة وأسرهم اهتماما متناميا، في ظل المبادرات والبرامج التي تنفذها الجهات الحكومية والجمعيات المتخصصة والقطاع غير الربحي، ويستعرض هذا التحقيق آراء مختصين ومسؤولين وناشطين في مجال الإعاقة، إلى جانب قصص واقعية لمستفيدين، للكشف عن أبرز التحديات التي تواجه أسر الأشخاص ذوي الإعاقة، وأهمية الدعم المادي والمعنوي في تحويل رحلة الرعاية من عبء يومي إلى مسيرة تمكين وأمل.

حاضنة اولى

أكد عبدالرحمن ذياب الذياب، رئيس مجلس إدارة نادي ذوي الإعاقة بالأحساء، أن الأسرة تمثل الحاضنة الأولى للأشخاص ذوي الإعاقة، والركيزة الأساسية التي توفر لهم الأمان والاستقرار والثقة بالنفس، مشيرا إلى أن هذه الأسر تتحمل مسؤوليات كبيرة تتجاوز حدود الرعاية اليومية، ما يستدعي توفير منظومة متكاملة من الدعم والمساندة من مختلف الجهات الحكومية والأهلية، إلى جانب دور المجتمع بمختلف فئاته.

وأوضح، أن الدعم المادي يعد أحد أهم العوامل التي تساعد الأسر على مواجهة التحديات، من خلال الإسهام في توفير الأجهزة الطبية المساندة، وخدمات العلاج والتأهيل، ووسائل النقل المناسبة، فضلا عن التخفيف من الأعباء المعيشية التي قد تثقل كاهل الكثير من الأسر التي ترعى أشخاصاً من ذوي الإعاقة.

وأشار إلى أن الدعم المعنوي لا يقل أهمية عن الدعم المادي، إذ يتمثل في تعزيز ثقافة تقبل الأشخاص ذوي الإعاقة داخل المجتمع، وتقديم الإرشاد النفسي للأسر، وإشراكها في البرامج والفعاليات التي تسهم في رفع جودة حياتها، بما يعزز شعورها بأنها شريك فاعل في التنمية المجتمعية، وليس مجرد متلقٍ للخدمات.

وأضاف الذياب، أن الاستثمار في دعم أسر ذوي الإعاقة هو استثمار حقيقي في الإنسان، لأن الأسرة المستقرة والمحتواة تنعكس آثارها الإيجابية مباشرة على الشخص ذي الإعاقة، بما يعزز قدرته على التعلم والإبداع والاندماج والمشاركة الفاعلة في خدمة المجتمع، مؤكدا أن توفير بيئة داعمة يسهم في إطلاق طاقات هذه الفئة وتمكينها من تحقيق إمكاناتها.أكد الأستاذ خالد القرينيس، أن أسر الأشخاص ذوي الإعاقة تواجه تحديات كبيرة وأعباء متزايدة، في مقدمتها الاحتياجات المادية التي تتطلبها رعاية أبنائهم، مشيرا إلى أن كثيرا من الأسر، خاصة ذات الدخل المحدود، تجد صعوبة في توفير المستلزمات الأساسية التي يحتاجها الشخص ذو الإعاقة.

وأوضح، أن بعض الأشخاص ذوي الإعاقة يحتاجون إلى كراسٍ متحركة خاصة، فيما تعد الكراسي الكهربائية من التجهيزات مرتفعة التكلفة، إضافة إلى الحاجة إلى الأسرة الطبية، والرافعات المخصصة للمساعدة على الانتقال إلى السرير، وتجهيزات دورات المياه، فضلاً عن احتياج بعض الحالات إلى أنظمة غذائية خاصة تتناسب مع أوضاعهم الصحية، وهي متطلبات تمثل عبئاً مالياً كبيراً على الأسر.

ودعا القرينيس، إلى ضرورة الوقوف إلى جانب هذه الأسر، والتعرف على احتياجاتها الفعلية، والعمل على توفير الدعم اللازم لها بما يسهم في تخفيف الأعباء المالية عنها، مؤكدا أن دعم الأسرة ينعكس بصورة مباشرة على جودة الرعاية المقدمة للشخص ذي الإعاقة واستقراره.وأضاف، أن من المبادرات التي تستحق الاهتمام إطلاق برامج لتكريم أسر الأشخاص ذوي الإعاقة، من خلال تبني إحدى الجهات أو رجال الأعمال لهذه المبادرات، إلى جانب تنظيم برامج ترفيهية لما تمثله هذه المبادرات من أثر نفسي ومعنوي يسهم في إدخال السرور على الأسر ويمنحها شعورا بالتقدير والاهتمام، ويعزز قدرتها على مواصلة رسالتها الإنسانية.أكد الأستاذ عبدالعزيز الراشد، أن الأسر التي تضم أفرادا من ذوي الإعاقة تعد من أكثر الفئات احتياجا إلى منظومة متكاملة من الدعم المادي والمعنوي، نظرا لما تتحمله من مسؤوليات يومية تتعلق بالرعاية الصحية والتأهيل المستمر، إلى جانب المتطلبات التعليمية والنفسية الخاصة، الأمر الذي يفرض عليها أعباء كبيرة قد تؤثر في استقرارها الاجتماعي والاقتصادي إذا لم تحظَ بالمساندة اللازمة.وأوضح، أن الدعم المادي يشمل توفير العلاج، والأجهزة التعويضية، ووسائل النقل المخصصة، وغيرها من الاحتياجات الأساسية التي تسهم في تحسين جودة حياة الأشخاص ذوي الإعاقة وتخفيف الأعباء عن أسرهم، فيما يتمثل الدعم المعنوي في نشر الوعي المجتمعي، وتعزيز ثقافة تقبل الأشخاص ذوي الإعاقة، ومواجهة الصور النمطية السلبية، إلى جانب تقديم برامج الإرشاد الأسري التي تساعد الوالدين على التكيف مع التحديات اليومية والتعامل معها بصورة أكثر فاعلية.وأشار الراشد، أن تكامل الأدوار بين الجهات الحكومية، ومؤسسات القطاع غير الربحي، والقطاع الخاص، والمجتمع، يجسد التزام المملكة بتحقيق العدالة الاجتماعية وجودة الحياة، ويؤكد أن دعم أسر الأشخاص ذوي الإعاقة ليس مسؤولية فردية، وإنما شراكة وطنية ومجتمعية تسهم في تمكين هذه الأسر، وتعزيز استقرارها، وبناء مجتمع أكثر شمولا وتكافلا.

وتروي نورة العجمي تجربتها مع الإعاقة الحركية التي أثرت على قدرتها على الحركة واستكمال مسيرتها التعليمية، إلى جانب معاناتها من الاكتئاب الذي سلبها كثيرًا من الأمل، مؤكدة أن احتواء الجمعية ودعمها شكّلا نقطة تحول حقيقية في حياتها.

وأوضحت أن إحدي الجمعيات تكفلت بدعمها لاستكمال دراستها الجامعية، ثم واصلت مساندتها حتى مرحلة الماجستير، لتصبح اليوم على مشارف التخرج، في تجربة تؤكد أن الإعاقة ليست نهاية للطموح، وأن الاستثمار الحقيقي يبدأ بتمكين الإنسان علميًا ونفسيًا، ومنحه الفرصة لتحقيق طموحاته.

منزل متهالك

وفي قصة أخرى، يروي عبدالمجيد السويلم، وهو مصاب بشلل رباعي وإقعاد تام، حجم التحديات التي واجهها بسبب إعاقته، إذ كان يعيش في منزل متهالك يفتقر إلى أبسط مقومات الحياة، بعد انقطاع التيار الكهربائي والمياه عنه، في ظل اعتماده الكامل على الآخرين لتلبية احتياجاته اليومية. وبعد دراسة حالته وتقييم احتياجاته، بادرت إحدي الجمعيات، إلى توفير مسكن مناسب وتأثيثه بالكامل، إلى جانب تزويده بالأجهزة التعويضية والأجهزة المنزلية والسلال الغذائية، الأمر الذي مكنه مع زوجته من بدء مرحلة جديدة اتسمت بالاستقرار والكرامة، في واحدة من قصص الأثر التي تعكس جهود الجمعية في تمكين مستفيديها من الحصول على سكن ملائم يحقق لهم حياة أكثر استقرارا.

كما تسرد منال الدوسري، معاناتها مع الإعاقة الحركية، التي جعلت إدارة شؤون منزلها أمرا بالغ الصعوبة، خاصة أن المنزل كان يفتقر إلى الاحتياجات الأساسية ووسائل السلامة، في وقت تتولى فيه رعاية عدد من أطفالها، بعضهم من المصابين باضطراب طيف التوحد.وأشارت إلى أن إحدي الجمعيات أسهمت في توفير الأثاث المنزلي ووسائل الحماية والسلامة، ما وفر لها ولأطفالها بيئة أكثر أمنا واستقرارا، وساعدها على مواصلة مسؤولياتها الأسرية في ظروف أفضل.كما تروي رغد سحاري، أن حلم امتلاك منزل ظل يرافقها سنوات طويلة، إلى أن أسهمت إحدي الجمعيات في دعم  استكمال قيمة الوحدة السكنية، لتنتقل مع أسرتها إلى منزلها الجديد، وتبدأ حياة أكثر استقرارا وطمأنينة.

بينما أكدت منيرة عبدالعزيز الحمد، أن الاهتمام بالأشخاص ذوي الإعاقة يجب ألا يقتصر على الفرد وحده، بل يمتد إلى أسرته التي تشاركه تفاصيل الحياة اليومية، وتتحمل مسؤوليات متواصلة تتداخل فيها الجوانب المادية والنفسية والاجتماعية، الأمر الذي يجعل دعم هذه الأسر ضرورة أساسية لتحقيق الاستقرار وجودة الحياة.وأوضحت، أن أسر الأشخاص ذوي الإعاقة لا تحتاج إلى التعاطف بقدر حاجتها إلى دعم حقيقي ومستدام يحفظ كرامتها ويعزز قدرتها على مواصلة رسالتها، مشيرة إلى أن الدعم المادي يسهم في تخفيف الأعباء المرتبطة بالعلاج والتأهيل والتعليم وتوفير الأجهزة المساندة، فيما يمثل الدعم المعنوي ركيزة مهمة تمنح الأسرة شعورًا بالأمان والتقدير والانتماء، وتساعدها على مواجهة التحديات اليومية بثقة وإيجابية.

ضافت، أن التجارب الميدانية في العمل المجتمعي تؤكد أهمية الانتقال من مفهوم الرعاية التقليدية إلى مفهوم التمكين، من خلال توفير الفرص، وتنفيذ برامج التدريب والتأهيل، وتقديم الخدمات النوعية، إلى جانب فتح مساحات أوسع أمام الأسر للمشاركة الفاعلة والاندماج في المجتمع، بما يعزز استقلاليتها ويمنحها القدرة على تجاوز التحديات.

أكد خالد عمر العكاس، مدير الألعاب بنادي ذوي الإعاقة بالأحساء، أن الأسرة تمثل الركيزة الأساسية في رحلة الشخص ذي الإعاقة، فهي البيئة الأولى التي يتلقى فيها الرعاية والاحتواء والتأهيل، مشيرا إلى أن هذه الرحلة لا تخلو من تحديات كبيرة تفرض على الأسر أعباءً متزايدة، الأمر الذي يستوجب تضافر جهود المجتمع بمختلف قطاعاته لتقديم الدعم اللازم لها.

وأوضح، أن الاحتياجات المادية لأسر الأشخاص ذوي الإعاقة تعد من أبرز التحديات التي تواجهها، نظرا لاستمرار تكاليف العلاج الطبيعي والتأهيلي، وجلسات النطق والتأهيل السلوكي، إضافة إلى الحاجة لتوفير الأجهزة التعويضية والكراسي المتحركة، وإجراء التعديلات اللازمة على المنازل لتصبح أكثر ملاءمة لاحتياجات أبنائهم.

وشدد العكاس، على أن الدعم المادي الذي تقدمه الجهات الحكومية، والجمعيات المتخصصة، والقطاع الخاص، لم يعد خيارا، بل أصبح ضرورة لضمان استمرارية الخدمات وجودتها، وتمكين الأسر من توفير احتياجات أبنائها دون أن تتحمل أعباءً تفوق إمكاناتها.

تكشف الآراء والشهادات التي تضمنها هذا التحقيق أن دعم أسر الأشخاص ذوي الإعاقة لم يعد يقتصر على تقديم المساعدات المالية أو الخدمات الأساسية، بل أصبح مفهوما أشمل يقوم على التمكين، وتعزيز الاستقلالية، وتهيئة بيئة اجتماعية أكثر احتواء وعدالة، فكل مبادرة تسهم في تخفيف الأعباء عن الأسرة، وكل برنامج يفتح بابا للتعليم أو العمل أو السكن أو التأهيل، ينعكس أثره مباشرة على الشخص ذي الإعاقة، ويمنحه فرصة أكبر للمشاركة والإنتاج وتحقيق طموحاته.


مشاهدات 35
أضيف 2026/08/15 - 2:20 AM
آخر تحديث 2026/08/15 - 3:03 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 222 الشهر 15307 الكلي 16105011
الوقت الآن
السبت 2026/8/15 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير