لمن تقرع الأجراس؟
مذلون مهانون والآتي أعظم
هاشم حسن التميمي
حاولت الاستعانة بعناوين إحدى الروايات العالمية الشهيرة التي تعبّر عن وضعنا العراقي اليائس والبائس، فلم أجد أفضل من «مذلون مهانون» لعملاق الأدب الروسي دوستويفسكي.
على مدى عقود، بل لزمن يمتد أكثر من قرن، وبعد اكتشاف النفط، الذهب الأسود، في أرض السواد وبلاد الرافدين، ونحن نحلم بحياة حرة كريمة. لكن واقع الحال أننا ما زلنا نعيش في مستنقع نتن، وصارت ثروتنا النفطية نقمة علينا، أذاقتنا الدول الكبرى مرّ العذاب بسبب مطامعها في ثرواتنا، وتضامن معها أبناء جلدتنا الطامعون بالسلطة، من إقطاع وعساكر وأفندية، ومن ساسة يساريين وعلمانيين وقومجيين وبعثيين، وأخطرهم اليوم إسلاميون نهبونا وقتلونا باسم الدين.
نعم، ما تعرضه رواية «مذلون مهانون»، وروايات أخرى مثل «الفراشة» و**«الساعة الخامسة والعشرون»** و**«شرق المتوسط»**، تعبّر بدقة عن حالة الإذلال التي نعيشها.
نحن والجيران، وملايين العراقيين من عباد الله، نكابد حرّ شهر آب اللهاب، مع تفاصيل صادمة في مشهد حياتنا المذلة. يقابل ذلك حياة مرفهة لفئات من الفاشلين، حرامية المال العام، الذين يمعنون في تعذيبنا من خلال تباهيهم بالترف، هم وأسرهم غير الكريمة، وأذنابهم من مجرمين وفاسدين ابتلعوا أجهزة الدولة، ومجاميع من البلوكرات والعاهرات، يستفززن مشاعرنا بتظاهرهم بالثراء من ترليونات كانت مخصصة للبنية التحتية، المعوّل عليها لتحديث البلاد وتوفير فرص لحياة ورفاهية لا تقل عن دول العالم الغربية أو النفطية.
لكن ذلك ذهب إلى جيوب قذرة وعقول مريضة ونفوس شريرة استأثرت بالسلطة ونهبت المال العام؛ المال الذي شاهدناه يُخزَّن حتى في مجاري الصرف الصحي، ويتحوّل إلى ذهب، بل ويُحرق، في حين أن هناك مواطنًا يبحث عن مأوى ودواء، بل عن غذاء وحياة معقولة لحيوان، وليس لإنسان، في القرن الحادي والعشرين. واعل مايجري الان بسيط لان ثمرة ونتائج هذا الفاسد المربع ستطهر بعد سنوات تتحسد في وطن مخرب بدون انتاج او انظمة صحية ومستلزمات حياتية والاكتفاء بمجرد العيش في مستعمرة لسد الرمق.
في عنوان رواية دوستويفسكي «مذلون مهانون»، المقصود (وصف أشخاص تعرضوا للظلم والقهر والإذلال، وفقدوا كثيرًا من كرامتهم وحقوقهم بسبب ظروف اجتماعية ونفسية قاسية.
مذلون: جمع مُذَلّ، أي الذين تعرضوا للإذلال والتحقير وكُسرت كرامتهم.
مهانون: جمع مُهان، أي الذين عوملوا باحتقار أو ظلم، وأُسيئت معاملتهم.
والتعبير معًا، «مذلون مهانون»، أقوى من مجرد القول «فقراء أو مظلومون»، لأنه يشير إلى الإنسان الذي يُسحق اجتماعيًا ونفسيًا، ويُجبر على تحمّل الإهانة مع عجزه عن الدفاع عن كرامته.
وفي سياق دوستويفسكي، يحمل العنوان دلالة أعمق؛ فهو يتناول كرامة الإنسان حين تصطدم بالفقر والسلطة والأنانية والاستغلال، وكيف يمكن للمظلوم نفسه أن يبقى محتفظًا بإنسانيته رغم الإهانة.)
ترى، هل سيظهر بيننا دوستويفسكي جديداً، وماركيز آخر، ليروي حكايتنا؟ أم أننا نحتاج مثل نجيب محفوظ ليروي لنا حكاية «أولاد حارتنا» بمشاهد عراقية، أبطالها رموز من سلطاتنا المتعفنة، وآخرون يمثلون أبشع مظاهر المهانة والمذلة؟
لو عاد دوستويفسكي نفسه، لشعر بالدهشة وصرخ: ما نوعية هذا الشعب الذي يقبل ويتحمّل كل هذا الذل والمهانة؟ وهو لايثور بل يصرخ ( هيهات منا الذلة) ويغرد بمجد المعالي بمجرد ان تتاح له الفرصة ان يلعق الصقاع ويلتهم فتات موائد اثرياء الصدفة والسحت الحرامي وقيادات المحاصصة المقيتة التي لاتعتمد النزاهة والخبرة بل (الواكة) والنفاق والولاء لاصنام هذا الزمان..!