من دجلة إلى قرطاج
حسين علي الحمداني
كم لبثنا في رقودنا هنا، عند حافات دجلة؟
ألف عام، صغيرتي الجميلة...
انظري إلى قبيلتنا الممتدة من دجلة حتى قرطاج. منهم من زرع النخيل، ومنهم من زرع أشجار الزيتون. أتذكرين لقاءنا الأول قبل ألف عام، هناك، عند مزرعة الزيتون قرب البحر المتوسط؟ رأينا شروق الشمس هناك، أما هنا فالشمس تشرق من تنور الخبز، كأنها رغيف.
يا حنان، غدًا، عندما يُنفخ في الصور النفخة الكبرى، يهرع الناس من قبورهم شعثًا غبرًا، ويقفون أمام حاكم عادل، ولا ندري أنا وأنت أين سنقف معهم، وماذا ستنال أيدينا من كتب.
أعرف أنني سأمسك بيدك، كما اعتدنا.
سنرى كيف يحاسب الله أولئك الذين شنوا الحروب وقتلوا الناس باسم الله. سنرى كيف يحاسب الذين حرموا الأطفال من آبائهم، والنساء من أزواجهن، والأمهات من فلذات أكبادهن.
سننظر إليهم وهم يُساقون إلى المكان الذي يستحقونه.
يا إلهي...
هذه أمي تعبر إلى الجنة وهي تحمل ارغفةخبز حار للتو خرجت من التنور.
وهذا أبي البناء يحمل ادوات البناء ومعه عماله كل منهم كتابه بيمينه. وهذا معلمنا في الصف الأول يدخل معهم الحنة.
انظري، حنان، جيدًا... إنها أمك، تقطف الزيتون وتحمل بيدها اليمنى غصنًا تلوّح به وهي تعبر صوب الجنة، ممسكة بيد حبيبها ورفيق عمرها.
انظر، حسوني... هذا بائع الياسمين الذي رأيناه مرات عدة في سوسة والقنطاوي. لا يزال الياسمين في يده وهو يتسلم كتابه بيمينه.
هؤلاء رواد الجنة.
ما أكثر الناس هنا في يوم ليس كباقي الأيام!
نحن ننتظر. ربما ينادون علينا.
مالهم شعثًا غبرًا؟
لا أدري.
نحن سمعنا نفخ الصور، فكنا نرقد في مخدعنا. وهم كانوا في قبور موتى.
نحن كنا نيامًا.
لم يبق سوانا، حنان.
قد ينادون باسمينا.
ضوء قادم نحونا.
أنا أمسك بك.
لا تخافي... نحن أمام العدل.
نسمع من يقول:
من جاء بكم إلى هنا؟
نجيب:
سمعنا النفخة.
عودوا حيث كنتم.
أسمع من يسألني:
ما بيمينك؟
أقول:
يد حنان... بل حنان كلها.
ويسألها:
وما بيمينك يا حنان؟
فتقول:
حناء وطين من ضفة دجلة وبقايا خبز حار .
عودوا إلى ضفة دجلة.
ازرعوا مزيدًا من النخيل والزيتون.
ما بين تنور الخبز عند دجلة حتى قرطاج وساحل المهدية، هنالك، في كل بقعة، ستكون لكم قبيلة تحمل جيناتكم.
ازرعوا النخيل والزيتون.
لا نعرف الطريق إلى ضفة دجلة.
ألم تقل أمك يومًا إن دجلة من أنهار الجنّة؟
قالت هذا منذ ألف عام.
هذه بالقرب منكم عين ماء. انزلوا فيها، ستقودكم إلى دجلة. وعندما تشاهدون النخلة وتنور الخبز، اصعدوا الضفة.
انثروا بذور القمح لتحصدوا.
عمروا الأرض.. الأرض جنتكم.