أوزبكستان في عيد استقلالها الخامس والثلاثين
من بناء الدولة إلى بناء المجتمع الرقمي الذكي
أحمد جاسم الزبيدي
في الأول من سبتمبر المقبل تحتفل جمهورية أوزبكستان بالذكرى الخامسة والثلاثين لاستقلالها، وهي مناسبة وطنية تستحضر مسيرة حافلة بالإنجازات والتحولات الكبرى التي شهدتها البلاد منذ إعلان استقلالها عام 1991. وقد جاءت الاستعدادات الرسمية لهذه المناسبة تحت شعار «وطن واحد وشعب واحد نبني حياة جديدة ومستقبلاً جديداً»، تأكيداً على مرحلة جديدة من التطور الوطني التي تعيشها البلاد اليوم.
وعندما نقارن بين أوزبكستان في السنوات الأولى للاستقلال وأوزبكستان اليوم، نجد أننا أمام قصة نجاح حقيقية استطاعت خلالها الدولة أن تنتقل من مرحلة بناء المؤسسات الأساسية إلى مرحلة بناء الدولة الرقمية الذكية القائمة على المعرفة والتكنولوجيا والابتكار.
ففي السنوات الأولى للاستقلال انصبّ الاهتمام على ترسيخ أسس الدولة الحديثة وحماية الاستقرار السياسي والاجتماعي وبناء الاقتصاد الوطني. أما اليوم، وبعد مرور خمسة وثلاثين عاماً، فقد أصبحت أوزبكستان واحدة من أسرع دول المنطقة نمواً في مجال التحول الرقمي والحكومة الإلكترونية وتطوير البنية التحتية الذكية.
وشهدت البلاد خلال السنوات الأخيرة، ولاسيما منذ تولي الرئيس شوكت ميرضيائيف قيادة الدولة عام 2016، انطلاقة واسعة للإصلاحات الاقتصادية والإدارية والقانونية والاجتماعية، في إطار رؤية «أوزبكستان الجديدة» ومشروع «النهضة الثالثة» الذي يهدف إلى بناء دولة عصرية قادرة على المنافسة إقليمياً ودولياً. وقد انعكست هذه الإصلاحات على مختلف القطاعات، من التعليم والصحة إلى الاقتصاد والعدالة والتكنولوجيا.
ومن أبرز مظاهر هذا التحول الكبير التوسع في استخدام التقنيات الذكية وأنظمة الرقمنة الحديثة في الحياة العامة. فالكاميرات الذكية وأنظمة المراقبة الإلكترونية التي أصبحت جزءاً من المشهد اليومي في المدن الأوزبكية لم تعد مجرد وسائل أمنية، بل تحولت إلى أدوات فعالة لإدارة المدن وتحسين الخدمات العامة ورفع جودة الحياة.
ففي العاصمة طشقند والمدن الكبرى تنتشر اليوم آلاف الكاميرات الذكية في الشوارع والطرقات والتقاطعات والجسور ومحطات النقل والمرافق العامة. وتعمل هذه الأنظمة على مراقبة حركة السير ورصد المخالفات المرورية وتسجيل الحوادث بشكل فوري، الأمر الذي أسهم في تعزيز السلامة المرورية وتقليل الازدحامات وتحسين انسيابية حركة النقل داخل المدن.
ولم يقتصر استخدام هذه التكنولوجيا على الطرق فحسب، بل امتد إلى الجامعات والمدارس والمؤسسات التعليمية التي بدأت تعتمد أنظمة المراقبة الذكية لمتابعة الحضور والانضباط وتوفير بيئة تعليمية أكثر أمناً للطلبة والكادر التدريسي. كما يجري استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في بعض المؤسسات التعليمية لتطوير أنظمة الحضور الإلكتروني والخدمات التعليمية الرقمية، بما ينسجم مع متطلبات العصر الرقمي. وتشير نقاشات مجتمعية حديثة إلى اتساع استخدام أنظمة الكاميرات والذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات التعليمية خلال السنوات الأخيرة.
أما في القطاع القضائي، فقد شهدت المحاكم ومؤسسات إنفاذ القانون تحديثات مهمة تهدف إلى تعزيز الشفافية وضمان العدالة وحماية حقوق المواطنين. وتندرج هذه الخطوات ضمن الإصلاحات الواسعة التي تستهدف تطوير النظام القضائي وترسيخ سيادة القانون في أوزبكستان الجديدة.
كما تشمل منظومة المراقبة الذكية المطارات ومحطات السكك الحديدية والمترو والمنشآت الصناعية والمراكز التجارية والمواقع الاستراتيجية الحساسة. وترتبط هذه الشبكات بمراكز تحكم متطورة تعمل على مدار الساعة، بما يتيح سرعة الاستجابة للحوادث والطوارئ وتعزيز الأمن العام وحماية الممتلكات العامة والخاصة.
إن أهمية هذه المنظومة لا تكمن فقط في دورها الأمني، بل في مساهمتها في بناء مفهوم «المدينة الذكية» الذي تتبناه أوزبكستان ضمن استراتيجيتها للتنمية المستدامة. فالمدن الحديثة لم تعد تدار بالوسائل التقليدية، بل من خلال البيانات الفورية والذكاء الاصطناعي والتحليل الرقمي الذي يساعد صناع القرار على تحسين الخدمات وتطوير البنية التحتية بصورة أكثر كفاءة.
وفي هذا السياق، تواصل الحكومة الأوزبكية تطوير منصة الحكومة الإلكترونية ودمج آلاف الخدمات وقواعد البيانات والأنظمة الحكومية في منظومة رقمية موحدة، بما يتيح للمواطن الحصول على الخدمات بصورة أسرع وأكثر شفافية وأقل احتكاكاً بالبيروقراطية التقليدية.
وقد أصبح التحول الرقمي أحد أبرز ملامح أوزبكستان الجديدة، حيث تتجه البلاد نحو توسيع استخدام الذكاء الاصطناعي والخدمات الإلكترونية والتقنيات الحديثة في الإدارة والتعليم والصحة والاقتصاد. كما أن الانفتاح المتزايد على الاقتصاد الرقمي العالمي يعكس رغبة الدولة في الاندماج بصورة أوسع في الاقتصاد الدولي والاستفادة من أحدث الابتكارات التكنولوجية.
وعلى الصعيد الدولي، نجحت أوزبكستان في تعزيز مكانتها كدولة مستقرة وآمنة ومنفتحة على العالم. وقد انعكس ذلك في ازدياد أعداد المستثمرين والسياح والزوار، وفي توسع العلاقات الاقتصادية والسياسية مع مختلف دول العالم. كما ينظر كثير من الزائرين إلى أوزبكستان بوصفها واحدة من أكثر دول المنطقة أمناً واستقراراً، وهو ما ساعد على تعزيز الثقة ببيئتها الاستثمارية والسياحية.
واليوم، ومع اقتراب الاحتفال بالذكرى الخامسة والثلاثين للاستقلال، لا تنظر أوزبكستان إلى ما تحقق باعتباره نهاية الطريق، بل تعتبره نقطة انطلاق نحو مرحلة أكثر تقدماً ضمن استراتيجية «أوزبكستان – 2030» التي تستهدف بناء اقتصاد حديث ومجتمع معرفي ودولة رقمية متطورة.
لقد نجحت أوزبكستان خلال خمسة وثلاثين عاماً في بناء دولة مستقلة ذات سيادة، وها هي اليوم تمضي بثقة نحو بناء مجتمع ذكي يعتمد على التكنولوجيا والابتكار والمعرفة. وبينما ترفرف أعلام الاستقلال في سماء الوطن احتفالاً بهذه المناسبة الغالية، يحق للشعب الأوزبكي أن يفخر بما تحقق من إنجازات، وأن يتطلع بثقة إلى مستقبل يحمل مزيداً من التقدم والازدهار في ظل أوزبكستان الجديدة ونهضتها الثالثة.